أنطونيو غرامشي

أنطونيو غرامشي
العالم القديم يموت, والعالم الجديد يكافح من أجل ان يولد, والان هو وقت الوحوش

 

ولد أنطونيو فرانشسكو غرامشي في جزيرة ساردينيا في ايطاليا عام 1891, لأسرة متواضعة من سبعة اطفال, عانت اسرته من مشاكل مالية عديدة ادت لاعتقال والدة عام 1898 الأمر الذي اجبر انطونيو على ترك المدرسة والبحث عن اي عمل الى العام 1904 عندما اُطلق سراح والده. في طفولته عانى الكثير من المشاكل الصحية اهمها تشوه في عموده الفقري اثّر على نموه (كان طوله 5 أقدام عند مرحلة البلوغ). انهى تعليمه الثانوي في كالياري, وهناك لم يتفاعل كثيرا مع التيارات الاشتراكية بادئ الامر وانما ابدى تعاطفا كبيرا مع العمال والفلاحين الذين عانو القمع والتجاهل من السلطات التي كانت تنهب خيرات الجنوب وترسلها للشمال حيث المصانع ومركز الرأسماليه في ايطاليا ما دفعهم للماطلبه بالاستقلال, الدعوة التي تم قمعها بسرعة على يد الجيش الايطالي.

تحصل عام 1911 على منحه من جامعة توريتو لدراسة الادب ولكن ظروفه المالية والصحية السيئة إضافة لتزايد التزاماته السياسيه دفعته لترك الجامعة عام 1915.

منذ العام 1914, اكتسب انطونيو سمعة بوصفه كاتبا بارزا في جريدة "صرخة الناس" الاشتراكية, وأظهر تحليلات مميزة في كل المجالات التي كتب عنها في شؤون توريتو الاجتماعيه والسياسية. انخرط في تلك الفترة مع التجمعات العماليه في تورينو وقام بالمساهمة في الكثير من المجالات وقتها, وبعد القبض عليه بعد احداث الشغب في اغسطس 1917 أصبح غرامشي احد أهم القيادات في حركة تورينو الشعبية وتم ترشيحه عضو في اللجنة المؤقتة للحزب.

عام 1921 وبعد فشل المجالس العمالية والحركات الاشتراكية , أيقن غرامشي انه لابد من تأسيس حزب شيوعي ذو مبادئ لينينية وأصبح نائبا عن الحزب في البرلمان الايطالي عام 1924 الى عام 1926 عندما تم اعتقاله.

ذهب الى موسكو عام 1922 كممثل عن الحزب الشيوعي الايطالي وهناك قابل جواليا شاخت التي ستصبح زوجته عام 1923 وسينجب منها ابنيه ديليو (1924) وجوليانو (1926) الذي لم يره ابدا.

في اواخر عام 1922 و1923 قامت حكومه موسوليني بحملة قمع واعتقالات واسعة ضد كل الاحزاب المعارضة ولهذا انتقل غرامشي من موسكو الى فيينا حيث حاول من هناك اعادة احياء الحزب الذي مزقه الصراع الفصائلي داخله, وعام 1924 اصبح قائد الحزب وأصبح نائبا في البرلمان عن مدينه فينيتو وقام بتنظيم الجريدة الرسمية للحزب "الوحدة " وانتقل للعيش في روما لكن عائلته بقيت في موسكو.. ومن البرلمان دائما ما دعى الي توحيد الجبهة اليسارية لاستعادة الديمقراطية التي فقدتها ايطاليا بفعل الفاشية.

عام 1926 تم اعتقاله -رغم حصانته البرلمانيه – وايداعه السجن وتم الحكم عليه بعشرين سنة ووقتها قال النائب العام "علينا ايقاف هذا العقل عن العمل لعشرين سنة". كتب في تلك السنين 3000 صفحة في 30 كراسة فيما يعرف بـ "دفاتر السجن" اودعها خلاصة افكاره عن التاريخ والفلسفة وغيرها من المواد.

خلال سنوات سجنه الاحدى عشر, تدهورت حالته الصحية بشكل سيء جدا, سقطت جميع اسنانه, وجهازه الهضمي لم يعد يعمل ابدا لدرجه انه لم يستطع تناول اي طعام صلب, اصابته العديد من التشنجات التي جعلته يتقيأ الدم, كما انه عانى من صداع شديد جعله يضرب رأسه في الحائط لتخفيف ألم الصداع.

وللتدهور الشديد في صحته وبفعل حملات دولية, تم اطلاق سراحة في 21 – ابريل – 1937 وأسلم روحه في 27-ابريل-1937 ودفن في روما.

 

افكاره

 

عايش غرامشي احداثا هامة جدا في تاريخ القرن العشرين مثل الثورة الروسية والحرب العالمية الاولى وثورات المانيا وهنغاريا الشيوعيه -الفاشلة- وصعود الفاشية الى الحكم في ايطاليا وغيرها. حاول غرامشي في كتاباته ان يفسر الاشكاليات التي حصلت بعد فشل الثورات الشيوعية في دول اوروبا الغربية وانتصار القوى الرجعية بعد الحرب العالمية الاولى.

تتبع غرامشي أصل هذة الأحداث ضمن الواقع الاجتماعي والتراث التاريخي لأوروبا الغربية، ليبني بذلك تجديدا هاما في إطار النظرية الماركسية، وقد كان الموضع الحقيقي في هذا التجديد رفض “الاقتصادية” بمختلف أشكالها، أي تغليب المستوي الاقتصادي والوضع الاقتصادي على المستويات الأخرى التي تساهم في نشوء المجتمع وحركته، وبمعني أخر “النزعة لاختزال مستويات البنية الفوقية المختلفة الي مرتبة الظاهرة” وقد تسببت هذه النزعة ظهور مفهوم تطور حتمي للتاريخ يجعله محكوما بقوانين موضوعية يتخطي اثرها مجال التدخل الإنساني الفاعل، أي دور الإنسان في تغيير تاريخة وواقعة. وكانت النتيجة كارثية في وجة الأحداث معتمدة علي ايمان اعمي بـ”قوي التاريخ” وبانهيار الرأسمالية الحتمي تحت ضغط تناقضتها الداخلية. رفض غرامشي القوانين الجامدة التي تدعي التحكم بمسيرة التاريخ تحكما صارما، فالتاريخ في نظر غرامشي تطور تراكمي حر وليس “اشكال تم هندستها مسبقا”.

يتحدث كذلك عن ان الدولة تقود المجتمع عن طريق التراضي (الهيمنة الثقافية) واذا فشلت بذلك تقوم بالسيطرة على المجتمع من خلال قمعه بالقوة, أي ان الهيمنة الثقافية هي الاساس, وبهذا فإن هيمنة الدولة تبدأ من المدارس واماكن التدين والاذاعات الرسمية قبل ان تكون بالاجهزة الامنية. وقد يفسر هذا هزيمة المحاولات والثورات الشيوعية في البلدان التي افترض ماركس بدايةً ان تكون الثورات فيها (فرنسا, بريطانيا وألمانيا)حيث تمت شيطنة الشيوعية بنجاح (الهيمنة .

الثقافية كانت للقوى الرجعية) وهنا يأتي دور المثقف للخروج من هذه الهيمنة الثقافية التي تطرحها الابواق الاعلاميه للأنظمة الرجعية,,

الهيمنة على الثقافة وسيله للابقاء على الحكم فى مجتمع رأسمالي


في تعريفه للمثقف، يرفض غرامشي تماما التقسيم الشائع للمجتمع كفئتين: الشغيلة اليدوييين والشغيلة المفكرين “فكل عمل يدوي أو عضلي حتى لو كان ميكانيكيا يتطلب قدرا من المهارة، أي حد ادني من النشاط الفكري، إنما يربط غرامشي المثقف بطبقة هو عضو في جسدها. وكما أنه من المستحيل حسب غرامشي الحديث عن “لا مثقفين”، لأنه لا وجود لهم. فكل إنسان مهما كانت المهنة التي يعمل بها، “يمارس نوعا من النشاط الثقافي، أي أنه فيلسوف فنان، إنسان متذوق، يشارك في تصور ما عن العالم، أي يثير سبلا جديدة في التفكير. ولكن عندما يتحدث عن المثقفين فهو يحصر المفهوم في أناس محددين يؤدون وظيفة محددة لهم خصائص مميزة. وهذة الوظيفة حسب غرامشي تتضح في عباراته:

“ان كل فئة (طبقة) اجتماعية ترى النور في باديء الأمر على أرض وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي فتخلق عضويا، في نفس الوقت الذي ترى فيه النور شريحة أو عدة شرائح من المثقفين الذين يزودونها بتجانسها وبوعي وظيفتها الخاصة، لا في المضمار الاقتصادي فحسب وإنما في المضمار السياسي والاجتماعي أيضا. هَؤُلاء المثقفون المرتبطون بظهور طبقة اجتماعية أساسية هم المثقفون العضويون، وتكمن وظيفتهم في تكوين تجانس فكري للطبقة الاجتماعية التي يمثلونها، لا في قدرتهم علي تشكيل تصور للعالم خاص بتلك الفئة، وفي نقدهم كل الأيديولوجيات السابقة لظهور تلك الطبقة”.

وظيفة المثقف العضوي حسب غرامشي إذن هي تحقيق تصور للعالم أو أيديولوجيا خاصة بالفئة أو الطبقة التي يربتط بها عضويا، وان يجعل هذا التصور يطابق الوظيفة الموضوعية لتلك الطبقة في وضع تاريخي معين، كما تكمن وظيفته أيضا في الجانب النقدي من نشاطه الفكري، الذي يحرر تلك الأيديولوجيات من الأفكار السابقة لظهورها.

وأيضا للمثقفين استقلالهم النسبي عن الطبقة التي يرتبطون بها، فالمثقف العضوي ليس انعكاسا للطبقة الاجتماعية بل يعود استقلالهم الذاتي الى وظائفهم كمنظمين ومربين ومحققي تجانس للوعي الحقيقي. كما أن الاستقلال الذاتي للمثقف ينشأ بوجه خاص عن المنظمات التي يعملون في إطارها، فهم مرتبطين بالطبقات من خلال المنظمات المرتبطة بتلك الطبقات، ومن جهة أخري وجود هذة المنظمات بالذات قد يحدث من جهة أخرى فجوة ما بين المثقفين والطبقات الاجتماعية.

ومقابل الشكل الأول من المثقفين، أي المثقفين العضويين المرتبطين بطبقة اجتماعية والذين يعملون علي اعطائها التجانس الأيديولوجي، يقيم غرامشي مفهوما آخر للمثقفين يعتمد على أساس الرؤية التاريخية لتكونهم. وهو ما أسماه بالمثقف التقليدي، أي المثقف الذي ينتمي الى طبقات اجتماعية زائلة أو في طريقها الى الزوال. يقول غرامشي محددا مفهومه هذا “ولكن كل مجموعة اجتماعية بنشوئها في تاريخ البنية الاقتصادية السابقة لها وكتعبير عن تطور تلك البنية وجدت علي الأقل في التاريخ المعروف حتى الأن، فئات مثقفين موجودة قبلا، بل وكانت هذه الفئات تبدو كممثلة لاستمراية التاريخ غير المنقطعة وحتى من قبل التحولات الأكثر تعقيدا وجذرية للأشكال السياسية والاجتماعية”.

ويعتبر غرامشي رجال الكنيسة الذين احتكروا لزمن طويل بعض الخدمات الهامة، مثل الأيديولوجيا الدينية، والفلسفة والعلوم في ذلك العصر، يعتبر هؤلاء الممثلين النموذجيين عن المثقف التقليدي.

و نظرا لأن هذة الفئات المختلفة من المفكرين، أي المثقفين التقليديين تشعر “بروحية الجسد” باستمراريتها التاريخية غير المنقطعة و”بأهليتها” فهي تظهر نفسها باعتبارها مستقلة عن المجموعة الاجتماعية المسيطرة. ولا يبقى هذا الموقع الذاتي بلا نتائج في الميدان الأيديولوجي والسياسي، وهي نتائج متباينة الأهمية، ويمكن بسهولة ربط كل الفلسفة المثالية بهذا الواقع الذي افترضته الفئة الاجتماعية للمثقفين، ويمكن تسميته بالتعبير عن هذه الطوباوية الاجتماعية التي بموجبها يظن المثقفين أنفسهم مستقلين قائمين بذاتهم.

ويرى غرامشي أن قدرة أي طبقة اجتماعية علي الصعود وتحقيق الهيمنة على المجتمع تكمن في قدرتها على تكوين مثقفين عضويين مرتبطين بها وكذلك في قدرة هذه الطبقة على استيعاب المثقفين التقليديين المنحدرين من فترات تاريخية سابقة. “إن واحدة من أهم السمات المميزة لكل فئة تسعى الى الوصول الى السلطة هي النضال الذي تخوضه لكي تتمثل وتستوعب أيديولوجيا المثقفين التقليديين، وهذا التمثل والاستيعاب يتمان بسرعة وفعالية أكبر إذا قامت الفئة المشار إليها بإجراء مزيد من التغيير في صفوف مثقفيها العضويين”.

ويرجع غرامشي فشل الطبقة البرجوازية الإيطالية وعجزها عن إنجاز مهامها التاريخية الى أنها لم تستطيع أن تتخطى مصالحها الاقتصادية والحرفية كي تقيم بنية فوقية سياسية وأيديولوجية مطابقة لمصالحها الاقتصادية. فعلى الرغم من ظهور البرجوازية الإيطالية في وقت مبكر في القرن الحادي عشر، غير أنها لم تستطع أن تنجز ثورتها إلا بعد قرن من الثورة البرجوازية الفرنسية، فشلت البرجوازية الإيطالية في تكوين بنية سياسية وأطر ثقافية. فقد عجزن أمام سلطة الكنيسة الدينية التي تتجاوز الحدود القومية، أن تنشئ سلطة معاكسة تنشأ على أساس الوحدة القومية الإيطالية على غرار ما فعلته البرجوازية الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وكذلك لم تستطع البرجوازية الإيطالية خلق شرائح من المثقفين العضويين مثل البرجوازيات الغرب أوروبية الأخري، ووجدت نفسها معزولة أمام المثقفين التقليديين، أي رجال الكنيسة بل أنهم استطاعوا أن يعيقوا البرجوازية عن اداء مهمتها وتأخيرها عن الوصول الي السلطة لعدة قرون.

قبر غرامشي gramsci grave
قبر غرامشي في روما

 


مصادر

1- ويكبيديا عن انطونيو غرامشي

2- مقالة أنطونيو غرامشي .. المثقف العضوي