من مقدمة سارتر لكتاب معذبوا الارض 1

من مقدمة سارتر لكتاب معذبوا الارض 1

 

يتناول كتاب "معذبوا الارض" لفرانز فانون العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر, في كيفية اشعال الثورة من أسفل والحفاظ عليها من تلاعبات الاستعمار والنخب المحلية الخاضعة له. واستبدال الاستعمار العسكري المباشر ذي الكلفة البشرية والمادية الضخمة باستعمار محلي اقل كلفة, خاضع تماما لقوى الاستعمار السابقة, وترتبط مصالحه الثقافية والسياسية والاقتصادية بها داخل اطار من ديباجات النعرات القومية والقبلية  القطرية الضيقة المصنوعة بواسطة جهاز المعرفة الاستشراقية.

فرانز فانون طبيب نفسي وفيلسوف اجتماعي اسود ولد في جزر المارتينيك عام 1925 وخدم في جيش فرنسا الحرة في الحرب العالمية الثانية محاربا النازيين, ثم التحق بالمدرسة الطبيه في ليون وعمل كطبيب عسكري فرنسي في الحزائر ابان الثورة الجزائرية, وعمل اثناء ذلك سرا مع جبهة التحرير الونيه الجزائرية ثم علنا بعد استقالته من عمله في المستشفى حتى توفي ودفن في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائرينن عام 1961.

يتحدث سارتر في هذا الجزء من تقديمة لكتاب "معذبوا الارض" عن التطور الذي حدث في موقف المستعمَر من المستعمِر, وعن الغطرسة الاستعمارية التي دفعت الشعوب المستعمَرة لحمل السلاح وقتال مستعمريها, يتحدث عن مطالب المستعمَرين البسيطة وغرور الاوروبيين الذي دفعهم لتجاهل هذه المطالب, أهاب بالاوروبيين ان يقرأوا الكتاب رغم انه ليس موجها لهم, بل ليشعروا بالخجل علّه كان وسيلة لشفاء اوروبا من دائها.

 

 

منذ زمن غير بعيد جدا, كان عدد سكان الارض مليارين, منهم خمسمائة مليون من البشر ومليان وخمسمائة مليون من "السكان الاصليين". فالأولون يملكون "الكلمة", والاخرون يستعيرونها. وبين هؤلاء القوم واولئك يقوم بدور الوسطاء ملوك صغار مشترون, واقطاعيون, وبرجوازية زائفة ملفقة تلفيقا.

وكانت الحقيقة في المستعمرات تبدو عارية, وكانت عواصم البلاد المستعمِرة تؤثرها مكسوة, وكان على السكان الاصليين في البلاد المستعمَرة ان يحبوا هذه العواصم, كما يحبون امهاتهم ان صح التعبير. وشرعت الصفوة الاوروبية تصنع صفوة من السكان الاصليين. أخذت تصطفي فتيانا مراهقين وترسم على جباههم بالحديد الاحمر مبادئ الثقافة الاوروبية وتحشوا افواههم بأشياء رنانة, بكلمات كبيرة تلتصق بالاسنان, ثم تردهم الى دياهم بعد إقامة قصيرة في العاصمة وقد زُيِّفوا. ان هؤلاء الافراد الذين هم اكاذيب حية تسعى, قد اصبحوا لا يملكون ما يقولون لاخوتهم, لانهم لا يزيدون على ان يرجعّوا ما يسمعون; فمن باريس ولندن وامستردام كنا نهتف "بارتينون, أخوة" فإذا بشفاه تنفرج في مكان من الامكنه بأفريقيا واسيا لتقول "بتينون! … أخوّة!” وكان ذلك هو العهد الذهبي.

وانتهى ذلك العهد, وأخذت الافواه تنفتح من تلقاء ذاتها. وظلت الاصوات الصفراء والسوداء تتحدث عن نزعتنا الانسانية, ولكنها اصبحت تفعل ذلك لتأخذ علينا اننا غير انسانيين. وأصبحنا نصغي الى تلك الاصوات اللبقة التي تعبر عن المرارة, دون ان نشعر بالاستياء. لقد احسسنا في اول الامر بدهشة يمازجها كِبَر كيف؟ أيتكلمون من تلقاء انفسهم؟ انظروا مع ذلك ماذا خلقنا منهم؟ وكنا لا نشك في انهم يقبلون مثلنا العليا, ما دامو يتهموننا بأننا لسنا اوفياء له. وآمنت اوروبا عندئذ برسالتها: لقد حملت الثقافة الاغريقية الى الآسبويين. لقد خلقت هذا النوع الانساني الجديد, نوع الزنوج الاغريق-اللاتين. وكما نضيف الى ذلك سرا فيما بيننا: دعوهم يعوون, فذلك يسري عنهم. ان الكلب الذي ينبح لا يعض.

وجاء جيل جديد نقل المسألة الى افق اخر. لقد حاول كُتّاب هذا الجيل وشعراؤه ان يشرحوا لنا, في كثير من الصبر ان قيمنا لا تناسب حقيقة حياتهم, وانهم لا يستطيعون ان ينبذوها نبذا كاملا, ولا ان يهضموها. وكان معنى ذلك على وجه الاجمال هو هذا: انكم تشوهوننا, فالمذهب الانساني الذي تأخذون به يدعي اننا وسائر البشر سواء, واعمالكم العرقيه تفرق بيننا وبين غيرنا. وكنا نصغي الى كلامهم في كثير من الاسترخاء: ان حكام المستعمرات لا تُدفع لهم الاجور من أجل ان يقرأوا هيغل, وهم لذلك لا يقرأونه كثيرا, ولكنهم ليسو في حاجة الي هذا الفيلسوف لكي يعرفوا ان هذه الضمائر الشقية ترتكبها تناقضاتهم. ولا جدوى. فلنجعل شقائهم اذن يستمر, فلن يخرج من ذلك الا هواء. وكان الخبراء يقولون لنا: اذا كان في تأوهاتهم هذه ظل من مطمح, فهو التوق الى الانضمام. ولا مجال طبعا لمنحهم هذا الانضمام: والا كنا نهدم النظام الذي يقوم على زيادة الاستغلال كما تعلمون. ولكن يكفي ان ندع هذه الجزرة مائلة امام أعينهم حتى يركضوا.

أما ان يثوروا فذلك ما كنا مطمئنين الى انه لن يكون: أي واع من هؤلاء السكان الاصليين يمكن ان يمضي الى قتل ابناء اوروبا الحسان لان غايته الوحيدة ان يصبح اوروبيا مثلهم؟ لقد كنا اذن نشجع تلك الالوان من الاسى; وذات مرة لم نجد ضيرا من ان نمنح احد الزنوج جائزة جونكور: وكان ذلك قبل عام 1939.

عام 1961 اسمعوا هذا الكلام: “علينا ان لا نضيع الوقت في ثرثرات عقيمة او لغو يبعث على الاشمئزاز. فلنترك هذه الاوروبا التي لا تفرغ من الكلام عن الانسان وهي تقتله جماعات حيثما تجده, في جميع نواصي شوارعها وفي جميع اركان العالم. لقد انقضت قرون…. وهي تخنق الانسانية كلها باسم مغامرة روحية مزعومة.

إن هذه اللهجة جديدة. من ذا الذي يجرؤ ان يتكلمو بهذه اللهجة؟ انه افريقي, انسان من العالم الثالث كان مستعمَرا. وهو يضيف الى ذلك قوله ان اوروبا قد بلغت من الجنون والاضطراب في سرعتها انها ماضية الى الهاوية.. التي يحسن الابتعاد عنها. وبتعبير اخر. انها قد افلست. هذه الحقيقة لا يجمل قولها اليس كذلك يا اعزائي أهل اوروبا ولكنها حقيقة نحن جميعا مقتنعون بها في قراراتنا, بين اللحم والجلد منا.

على ان هناك تحفظا لابد من ذكره. حين يقول فرنسي مثلا للفرنسيين :”لقد افلسنا" وهذا ما اعرف انه يحدث كل يوم تقريبا منذ عام 1930, فهو انما يلقي خطابا بفيض بالعاطفة, خطابا تضطرم فيه نيران من الحنق والحب, والخطيب هنا يضع نفسه في المغطس مع جميع اهل وطنه. ثم انه يضيف على وجه العموم "اللهم الا ان ….” ومعنى ذلك واضح, فهو يريد ان يقول: علينا ان لا نقترف بعد الآن خطيئة واحدة. فإذا لم تتبع وصاياه بحذافيرها, فعندئذ, عندئذ فقط تنهار البلاد. ومعنى ذلك ان ههنا وعيدا يعقبه نصح, وكلام الخطيب لا يؤذي سامعه مادام يصدر عن الذاتيه القومية المشتركة, أما حين يقول فانون ان اوروبا ساعية الى حتفها, فهو لا يصيح صيحه من ينبه الى خطر, وانما هو يشخص الداء. ان هذا الطبيب لا يدعي ان اوروبا مائتة لا محالة-فقد رأى الناس المعجزات- لا ولا يقدم لها وسائل شفاء, وانما هو يلاحظ انها تحتضر. ويلاحظ ذلك من الخارج, معتمدا على الاعراض التي استطاع ان يجمعها. أما ان يعالج فلا. ان في رأسه هموما أخرى. انه لا يعنيه ان تفطس او ان تعيش. وكتابه لهذا السبب يبعث على الفضيحة. واذا همستم ساخرين منزعجين "يالهذا الذي يقدمه لنا" غابت عنكم الطبيعة الحقيقة للفضيحة: ذلك ان فانون لا يقدم اليكم شيئا البتة. ان كتابه الذي يراه الاخرون كاويا يظل عندكم صقيعا. ان مؤلف هذا الكتاب يتحدث عنكم في كثير من الاحيان ولكنه لا يتحدث اليكم ابدا, انتهى عهد جوائز جونكور السوداء وجوائز نوبل الصفراء.

ان مؤلف هذا الكتاب يتحدث عنكم في كثير من الاحيان ولكنه لا يتحدث اليكم ابدا

لن يعود زمن الحائزين على الجوائز من المتسعمَرين: “ايها السكان الاصليون في جميع البلاد المتخلفة, اتحدوا" يا له من سقوط! لقد كان الاباء لا يتحدثون الا الينا, فإذا بالابناء يرفضون حتى ان يعدونا اهلا لان يخاطبونا. والكلام يدور علينا. صحيح ان فانون يذكر في عرض الحديث جرائمنا المشهورة: صطيف هانوي ومدغشقر, ولكنه لا يضيع وقته في استنكارها, وإنما هو يستعملها. ولئن كان يفضح اساليب الاستعمار, ويحلل ما هنالك من حركة معقدة في العلاقات التي تجمع وتفرق بين المستوطنين وبين "سكان العاصمة الاوروبية" فهو انما يفعل ذلك لاخوته, لان هدفهم هو ان يعلمهم كيف يحبطون مؤامراتنا.

 

لعلكم قائلون: مادام الامر كذلك فلنرم هذا الكتاب من النافذة. لماذا نقرؤه اذا لم يكن مكتوبا لنا؟ الحق ان هناك باعثين يجب ان يدفعاكم الى قراءة هذا الكتاب: اولهم ان فانون يشرح امركم لاخوته, ويحلل لهم انواع الضياع التي نعيشها: فاستفيدوا من ذلك لتكشفوا ﻷنفسكم عن انفسكم من حيث انكم في حقيقتكم اشياء. ان ضحايانا يعرفوننا بواسطة جراحهم وأغلالهم: وهذا ما يجعل شهادتهم صادقة لا ترد. يكفي ان يظهرونا على ما صنعناه بهم حتى نعرف ما صنعناه بأنفسنا. أهذا مفيد؟ نعم, ﻷن اوروبا مهددة ان تموت تهديدا كبيرا. قد تقولون ايضا: اننا نعيش في اوروبا ونستنكر الافراط. صحيح انكم لستم مواطنين في البلاد المتسعمرة. ولكنكم لستم خيرا من اولئك المستوطنين. انهم روادكم. انتم ارسلتموهم الى ما وراء البحار, وقد اغنوكم. لقد انذرتموهم قلتم لهم انكم ستنكرون اعمالهم من اطراف الشفاه اذا هم اسرفو في سفك الدماء. مثلكم في ذلك مثل اي دولة اي كانت هذه الدولة تغذي في الخارج – جمهرة من المثيرين والمحرضين والجواسيس فاذا قبض عليهم انكرتهم. انكم ومن انتم تحررية وانسانية وحبا بالثقافةالى حد التصنع, تتظاهرون بأنكم تنسون ان لكم مستعمرات, وان هناك اناسا يقومون بأعمال القتل الجماعي باسمكم. ان فانون يكشف لرفاقه – لعدد من رفاقه خاصة الذين ظلو مغالين بعض المغالاة في غربيتهم- يكشف لهؤلاء الرفاق تضامن سكان اوروبا مع عملائهم في المستعمرات. تسلحوا بالجرأة واقدموا على قراءة ها الكتاب, لهذا السبب الاول وهو انه سيشعركم بالخجل, والخجل كما قال ماركس عاطفة ثورية. هاأنتم اولاء ترون انني انا ايضا لا استطيع ان اتخلص من الوهم الذاتي. أنا ايضا اقول لكم "لقد ضاع كل شيء, اللهم الا ان ...” ايها الاوروبي انني اسرق كتاب العدو, فاتخذه وسيلة لشفاء اوروبا من دائها. انتفع بهذا الكتاب.

واليكم السبب الثاني: اذا تركتم جمجمات سوريل الفاشية وجدتم ان فانون هو اول من يعيد مولدة التاريخ الى النور بعد انجلز. ولا يذهبن بكم الفكر الىى الظن الى ان دما مسرفا في الغليان او الى ان شقاء الطفولة هو الذي جعله يحب العنف حبا خاصا: ان فانون يشرح الموقف لا اكثر من ذلك. ولكن هذا يكفي لانه يصوّر, مرحلة مرحلة, ذلك الديالكتيك الذي يخفيه عنكم النفاق الليبرالي, والذي انتجنا كما انتجه.[1]

 


المصادر:

1- كتاب معذبو الارض