جورج اورويل - داخل الحوت

جورج اورويل - داخل الحوت

نُشرت مقالة داخل الحوت للمرة الاولى عام 1940, قام أورويل في الجزء الاول منها بمراجعة كتاب "مدار السرطان" لهنري ميلر وتحدث عن الادب الانجليزي في عشرينيات القرن الماضي, في جزء اخر يتحدث عن شخصية النبي نوح وعن الحياة "داخل حوت" ويعني ان تعيش في مكان منغلق على نفسك ولا تهتم لمعرفة اي حدث عن العالم "وهو رأي اورويل في هنري ميلر".

في هذا الجزء نرى جورج اورويل الناقد والمحلل والمقارن

 

عندما ظهرت رواية هنري ميلر (مدار السرطان) عام 1934, رُحب بها بنوع من المديخ الحذر, يرتبط ذلك -بلا شك- في بعض الحالات خوفا من الظهور كمستمتعين بالمواد الاباحيه, كان من ضمن من مدحوها تي سي اليوت وهيربيرت رييد وألدوس هسكلي وجون دوس باسس وعزوا باوند, بكشل عام هم كتاب لم يكونوا رائجين انذاك وفي الواقع إن موضوع الكتاب -والى حد معين – ينمتي مزاجه الى العشرينيات اكثر من الثلاثينيات.

مدار السرطان, هي رواية بضمير المتكلم, أو سيرة ذاتيه بصيغة رواية, بأي طريقة شئت ان تنظر اليها, ميلر يصر انها سيرة ذاتية مباشرة, ولكن السرعه وأسلوب السرد القصة هما عنصران مرتبطان بالرواية. هي قصة عن باريس أمريكية, لكن ليس على غرار المألوف تماما, ﻷن الامريكين المجسدين بها يحدث انهم اشخاص معدمون خلال اعوام الطفرة عندما كانت الدولارات وافرة, ومعدل التحويل الى الفرنك منخفض, اجتيحت باريس بسرب من الفنانين والكتاب والطلاب والسياح والفساق وعاطلين خالصين -ربما- كما لم ير العالم من قبل. ولا بد ان ما سمي بالفنانين فاق عددا في بعض احياء المدينة السكان العاملين بالفعل, فقد تم في أواخر العشرينيات التقدير بأنه كان هناك ما يوازي ثلاثين الف رسام في باريس, معظمهم نصابون. صار السكان شديدي التعود على الفنانين; حتى ان مثليات أجسات الصوت في سراويل قصيرة وشباب في ازياء اغريقية أو تلك من العصور الوسطى قد يطوفون الشوارع دون جذب نظرة واحدة, وطوال ضفاف نهر السين عند نوتردام كان من المستحيل تقريبا ان يجد المرء لنفسه طريقا بين كراسي الرسامين.

كان عصر الاحصنه الداكنة والعبقرية المهملة, التعبير الذي كان على شفاه الجميع هو "QUAND JE SERAI LANC” “عندما أكون سأكون مطلقا". كما تبين لا أحد كان مطلقا, الركود الاقتصادي باغت مثل عصر جليدي اخر, العصابة الكسموبوليتيه من الفناني اختفت ومقاهي حي منتبرناس العملاقة التي كانت قبل عشر سنوات فقط مكتظة حتى الساعات الصغيرة بجحافل من المتكلفين المثيرين للضجيج تحولت الى قبور مظلمة, حتى الاشباح لا تقصدها. هو ذلك العالم الموصوف بين اعمال اخرى في رواية ويندهام لويس "تار" الذي يكتب عنه ميلر لكنه معني بالجانب السفلي منه فقط. المجموعة المهمشة البروليتارية البليدة التي تمكنت من النجاة من الركود لانها مؤلفة جزئيا من فنانين حقيقيين , وجزئيا من الصعاليك الحقيقيين. العبقرية المهملة, المصابون بالارتياب الذين هم دائما "سوف" يكتبون الرواية التي ستيقظ بروست في قبعة مرفوعه ومطرزة الاطراف هم هناك لكنهم عباقرة فقط, في تلك اللحظات النادرة, بالاحرى حيث يبحثون في الارجاء عن الوجبة المقبلة. القصة الى حد كبير عن غرفة موبوءة بالحشرات في نزل العمال, عن مشاجرات ونوبات شراب عن مواخير رخصية ولاجئين روس وتسول ونصب ووظائف مؤقتة.

والمزاج العام للأحياء الفقيرة في باريس -كما يراها الاجنبي- الأزقة المرصوفة بالحجارة الصغيرة, نضوح القمامة الحامض الحانات مع عدادات الدفع الزنكية والملطخة بدهنها, وأرضيتها الحجرية البالية, مياه نهر السين الخضراء الأردية الزرقاء للحرس الجمهوري, والمبولات الحديدية المتداعية, الرائحة الغريبة ذات المذاق الحلو في محطات المترو, السجائر التي تتفتت الى قطع في حدائق لوكسمبورغ كلها حاضرة, أو على الاقل الشعور بها حاضر.

على السطخ يبدو ان اي مادة أخرى يمكن للمرء ان يجدها اكثر وعدا من هذه. عندما نشرت رواية مدار السرطان كان الايطاليون يزحفون للحبشة ومعسكرات اعتقال هتلر كانت تتمدد حتى قبل ذلك الحين. كانت المراكز الفكرية في العالم هي موسكو وروما وبرلين. لم تبد كأنها لحظة من الممكن اثناؤها ان تُكتب رواية ذات قيمة لافتة عن امريكي منهك القوى يتسول الشراب في الحي اللاتيني. الروائي بالطبع ليس مكرها على الكتابة مباشرة عن التاريخ المعاصر, لكن ببساطة الروائي الذي لا يلقي بالاً للأحداث العامة الرئيسية للحظة الراهنة هو اما بشكل عام عابث او أحمق جلي. بمجرد سرد موضوع "مدار السرطان" فإن أغلب الناس سيفترضون غالبا انها ليست اكثر من قطعة من المشاغبة البائتة من العشرينيات, لكن كل من قرأها تقريبا وجد على الفور انها ليست من هذا القبيل ألبتة, بل هي كتاب مبهر. كيف أو لماذا هو مبهر ؟ السؤال ليس سهل الاجابة مطلقا, من الافضل البدء بوصف الانطباع الذي خلفته رواية مدار السران في ذهني.

عندما فتحت مدار السرطان للمرة الاولى ورأيت انها مليئة بكلمات لا تنطبع كان رد فعلي الفوري هو رفض ان أدع نفسي أُعجب بذلك, وأرى ان أغلب الناس سوف يكونون كذلك برأيي. ومع ذلك بعد فترة من الوقت فإن مزاج الكتاب بالاضافة تفاصيل لا تعد, بدت كأنها تبطئ الرحيل من ذاكرتي بطريقة غريبة, بعد مرور سنة كان كتاب ميلر الثاني "ربيع اسود" قد نُشر, عند هذا الحد كانت مدار السرطان حاضرة بحيوية في ذهني بقدر يفوق بكثير حضورها عندما قرأت الكتاب للمرة الاولى. انطباعي الاول عن" ربيع اسود" كان انه يظهر تراجعا, وانها لحقيقة قول انه لا يتحلى بوحدة كتلك التي كان عليها الكتاب الاخر ومع ذلك بعد سنة اخرى عمدت مقاطع عديدة من "ربيع اسود" إلى مد جذورها في ذاكرتي, بالطبع هذه الكتب هي من ذاك الصنف الذي يترك مذاقا خلفه – كتب تصنع عالما خاصا بها- كما يقول المثل. الكتب التي لديها هذه القدرة ليست كتبا جيدة بالضرورة من الممكن ان تكون كتبا رديئة مكتوبة على نحو جيد مثل قصص رافيلز وشارلوك هولمز او كتبا حمقاء وكئية مثل "مرتفعات ويذرنج" او "المنزل ذو الشبابيك الخضراء" لكن بين الحين والاخر تظهر هناك رواية تفضي الى عالم جديد ليس عبر كشف ما هو غريب بل عبر كشفها ما هو اعتيادي. الشيء المبهر حقا في اوليسس على سبيل المثال هو اعتيادية مادتها. بالطبع هناك في اوليسس ماهو اكثر بكثير من هذا ﻷن جويس هو شاعر الى حد ما ومثقف نظري تعوزه الرشاقة, ولكن انجازه الحقيقي كان ايصال الاعتيادي الى الورق. جرؤ -اذ ان هذه مسألة جرأة بقدر ما هي مسألة تقنية- على كشف تفاهات العقل الكامن, وبفعله هذا "اكتشف امريكا" كانت تحت انوف الجميع, ها هو عالم بأكمله من أشياء قد افترضت انت ان من طبيعتها ان تكون غير صالحة للتواصل, وأحدهم تمكن من ايصالها.

وتأثير ذلك -على الاقل بشكل لحظي- هو تعطيل العزلة التي تعيشها الكائنات البشرية. عندما تقرأ مقاطع معينة من أوليسس تشعر ان ذهن جويس وذهنك شيء واحد, وانه يعرف كل شيء عنك رغم انه لم يسمع باسمك على الاطلاق, تشعر بأن هناك عالما خارج الزمان والمكان حيث تكونان انت وهو معا. ورغم انه لا يشبه جويس من جوانب اخرى, هناك لمسة من هذه الميزة لدى هنري ميلر. ليس في كل مكان لان عمله متفاوت جدا, وفي بعض الاحيان – خصوصا في "ربيع اسود" – يميل لان ينحني بعيدا اتجاه الحشو الكلامي أو الكون الدبق للسرياليين, لكن اقرأه في خمس صفحات, عشر صفحات وستشعر بالراحة التي لا تأتي من كونك قد فَهمت بقدر ما يأتي من كونك قد فُهمت. تشعر انت "هو يعرف كل شيء عني وقد كتبت هذه خصيصا من أجلي" كأنك تسمع صوتا يتحدث اليك, صوتا أمريكيا ودودا لا يشوبه احتيال ولا هدف اخلاقي, مجرد افتراض ضمني اننا جميعا متشابهون, تشعر للحظة انك قد افلت من الاكاذيب والتبسيطات, ومن الاسلوب المنمق المشابه للدمى والخاص بالادب الاعتيادي -وحتى بالادب الجيد فعلا- وتعنى بتجارب متعارف عليها بين البشر.

ولكن اي نوع من التجارب؟ أي نوع من البشر؟ ميلر كان يكتب عن الرجل في الشارع, وبالمناسبة انه لمن المؤسف حقا ان يكون شارعا نزدحما بالمواخير, هذه هي عقوبة تركك بلدك الام, يعني ذلك نقلك جذورك الى تربة ضحلة, المنفى أكثر ضررا على الارجح بالنسبة لروائي مقارنة برسام او حتى شاعر, لانه سيترتب على ذلك توقف اتصاله مع حياة العمل وحصر الناق على الشارع والمقهى والكنسية والماخور والاستدويو. في كتب ميلر- اجمالا- سوف تقرأ عن اناس يعيشون حياة المهاجرين, أناس يشربون ويتكلمون ويتأملون ويفسقون, وليس عن اناس يعملون ويربون اطفالهم, من المؤسف لانه كان سيصف مجموعة الانشطة هذه كما وصف المجموعة الاخرى.

في "ربيع الاسود" هناك استرجاع رائع لنيويورك, نيويورك المزدحمة المغزوة من قبل الايرلنديين من فترة أوو هنري, لكن مشاهد باريس هي الافضل, ومن المسلم به هو بؤسهم التام كأصناف اجتماعية, سكارى وعاطلوا المقاهي تم تناول بنية الشخصية عندهم بإحساس وبراعة في التقنية غير مقاربة في اي رواية حديثة, ليس كلهم يتمتعون بالمصداقية فحسب, بل هم مألووفون بشكل تام, تشعر بأن جميع مغامراتهم تلك قد حدثت لك, ليس بكونك أي شيء فيها مذهلا على سبيل المغامرة.

يحصل هنري على وظيفة مع طالب هندي شجِن, ويحصل على وظيفة اخرى في مدرسة فرنسية مروعة خلال موجة برد قارس حين تكون الحمامات متجمدة تماما, ويخرج الى نوبة شراب في حانة لاهافز مع صديقه كولينز القبطان, ويذهب الى مواخير حيث توجد الزنجيات الرائعات, ويتحدث مع صديقه فان نوردين الروائي الذي يملك رواية العالم العظيمة في رأسه لكن لا يمكنه ابدا ان يبدأ كتابتها. صديقه كارل الذي على حافة الموت من الجوع, يُنتشل من قبل ارملة ثرية تتمنى الزواج منه, هناك محادثات مطولة كأنها من هاملت يحاول كارل فيها ان يقرر ما هو الاسوأ, أن يكون جائعا او ان ينام مع امرأة مسنة. يصف زيارته الى الارملة بكثير من التفاصيل: كيف ذهب إلى فندق في أحسن هندامه, وأنه قبل ان يدخل نسي ان يتبول, حتى ان الامسية بأكملها كانت تصعيدا واحد طويلا من العذاب…. وفي نهاية المطاف لا شيء من ذلك صحيح; فالأرملة غير موجودة اصلا, كارل اخترعها حتى يجعل نفسه يبدو مهما.

الكتاب بأكمله -بشكل او بأخر- على هذا المنوال, لم كانت هذه التوافه هائلة العدد جد فاتنه ؟ ببساطة لان المزاج بأكمله مألوف بعمق, لان لديك طوال الوقت شعورا بأن هذه الاشياء تحدث لك, وانت لديك هذا الشعور ﻷن احدهم اختار ان يتخلى عن لغة جنيف الخاصة بالرواية العادية وسحب "ريال بوليتك" الخاصة بالعقل الباطن الى المﻷ, ليست المسألة اكتشاف اليات الذهن في حالة ميلر بقدر ما هي اقرار للحقائق والعواطف اليومية, لانه في واقع الامر الكثير من الناس العاديين -وربما اغلبية فعلية- يقومون بالتصرف والحديث يمثل الطريقة المدونة هنا. الفظاظة القاسية التي تتحدث بها شخصيات "مدار السرطان" هي نادرة جدا في الادب التخيلي ولكنها شائعه جدا في الحياة, مرة تلو الاخرى قد سمعت هذه المحادثات من اشخاص لم يدركو حتى انهم يتحدثون بفظاظة, من الجدير بالذكر ان "مدار السرطان" ليست كتابا لشخص شاب, ميلر كان في اربعينياته عندما نُشر, ورغم انه منذ ذلك الحين قد انتج ثلاثة او اربعة كتب اخرى, من الواضح انه قد عاش مع كتابه الاول لأعوام, إنه احد تلك الكتب التي نضجت ببطء في الفقر والابهام, من قبل اشخاص يعرفون ان عليهم ان يصبروا, النثر باهر بل هو افضل في أجزاء من "ربيع الاسود", لسوء الحظ لا يمكنني الاقتباس, الكلمات التي لا تُطبع ترد تقريبا في كل مكان, ولكن احصل على "مدار السرطان" , احصل على "ربيع الاسود" واقرا المائة صفحة الاولى خاصة, ستعطيك فكرة عما زال فعله ممكنا, حتى في هذا التاريخ المتأخر من النثر الانجليزي, ففي هذه الكتب تعامل الانجليزيه كلغة محكية, ولكن محكية دون خوف, دون خوف من الخطابية او المفردة غير المعتادة او المفردة الشعرية, الصفة النحوية قد عادت بعد منفاها الذي طال عشرة اعوام, انه نثر متدفق ورنان, نثر يتضمن ايقاعات في داخله, شيء مختلف تماما من الافادات المباشرة والحذرة ولهجات مطاعم الوجبات الخفيفة السائدة الان.

عندما يظهر كتاب مثل مدار السرطان من الطبيعي ان يكون اول ما يلاحظه الناس هو فضائحيته, مع الاخذ بعين الاعتبار مفاهيمنا الحالية عن الحشمة الأدبية, ليس من السهل على الاطلاق مقاربة كتاب غير قابل للطبع بطريقة موضوعية, إما ان يكون المرء مصدوما ومشمئزا أو يشعر بسعادة غامرة أو يصمم على الا يعجب به, قد يكون الاخير رد الفعل الاكثر شيوعا, مما يؤدي أن تتلقى الكتب الغير قابلة للطبع اهتماما اقل مما تستحق. من الدارج فعلا قول ان لا شيء اسهل من كتابة كتاب فاحش, بأن الناس يقومون بذلك من فقط حتى يتكلم عنهم الاخرون, وان يحصلو على المال,,,, مما يوضح أن هذا ليس لب المسألة, بل ان الكتب الفاحشة بالمعنى الجنائي ليست شائعة بامتياز. لو كان هناك مال سهل جنيه من كلمات داعرة لكان عدد اكبر بكثير من الناس يجنونه, ولكن لأن الكتب "الفاحشة " لا تظهر بوتيرة كبيرة هناك ميل الى جمعها معا, كقاعدة بشكل غير مبرر تماما.

تم ربط مدار السرطان بشكل مبهم تماما مع كتابين اخرين, هما "اوليسس" و "رحلة الى اخر الليل", لكن في كلا الحالتين هناك القليل من اوجه الشبه, ما يشترك به ميللر مع جويس هو الاستعداد لذكر الحقائق الفارغة والبائسة للحياة اليومية. بغض النظر عن الاختلافات في التقنية, مشهد الجنازة في اوليسس على سبيل المثال سيجد مكانا له في "مدار السرطان" , الفصل بأكمله هو نوع من الاعتراف, فضح للقسوة الداخلية للكائن البشري لكن هنا بنتهي الشبه, كرواية "مدار السرطان" هي دون "أوليسس" بكثير, جويس فنان بمعنى لا يحققه ميلر, وغالبا لا يتمنى ان يحققه, وعلى اي حال جويس يحاول عمل اكثر بكثير, انه يكتشف حالات مختلفه من الوعي والحلم واحلام اليقطة, فصل "البرونز قرب الذهب" و"الثمالة" ,,,, ويُعَشِقُها جميعا معا في رسم ضخم ومعقد, بما يشبه حبكة فكتورية تقريبا. ميلر ببساطة شخص عملي يتكلم عن الحياة, رجل اعمال امريكي عادي مع شجاعة فكرية وموهبة من المفردات, ربما يكون من المعبر كونه يبدو مثل مفهوم الجميع عن رجل الأعمال الامريكي, أما عن المقارنة مع "رحلة الى اخر الليل" فانها اكثر بعدا من المسألة, كلا الكتابين يستخدمان مفردات لا تطبع, كلاهما -بمعنى ما- سيرة ذاتية, لكن هذه هي كل اوجه التشابه, “رحلة الى اخر الليل" هو كتاب مع هدف وهدفه هو الاحتجاج ضد رعب وعدمية الحياة عموما, انهاصرخه نفور لا يُحتمل, انه صوت من البالوعة, مدار السرطان عي العكس من ذلك تقريبا, الشيء اصبح غير معتاد الى الحد الذي بدا فيه انه غير سوي ولكنه كتاب رجل سعيد, كما ان "ربيع الاسود" هو كتاب رجل سعيد لكن الى حد اقل; لانه مشوب في أماكن ما بالحنين الى الماضي. مع سنوات من معيشة البروليتاريا المهمشة خلفه, والجوع والتشرد والاقذار والفضل وليال قضيت في العراء ومعارك مع ضباط الهجرة, وصراعات لا نهائية من اجل شيء من النقود, يكتشف ميلر انه يقي وقتا ممتعا. جوانب الحياه بعينها التي تملأ سيلين بالرعب هي التي تروق له, بعيدا جدا من الاحتجاج هو يقبل وكلمة قبول بحد ذاتها تستدعي ذكر صلة قرابة الحقيقة, أمريكي اخر: والت والتمان.

لكن هناك شيء غريب الى حد ما في ان يكون المرء وايتمان في ثلاثينيات القرن العشرين, ليس مؤكدا أن وايتمان نفسه لو كان حيا في تلك اللحظة سيكتب شيئا يحاكي "أوراق العشب" بأدنى حد لان ما يقوله اخر المطاف هو اني اقبل وهناك فرق جذري بين القبول الان والقبول انذاك, وايتمان كان يكتب في عصر من الازدهار المنقطع النظير, لكن الادهى من ذلك كان يكتب في بلد حيث الحرية كانت فيه اكثر من كلمة, الديمقراطية والمساواة والندية التي يتكلم عنها دائما ليست مثلا بعيدة, ولكنها اشياء وجدت امام عينيه. في منتصف القرن التاسع عشر شعر الرجال انهم احرار ومتساوون, كانو احرارا ومتساويين الى الحد الممكن خارج مجتمع من الشيوعية الصرفة,كان هناك فقر وحتى فروق طبقية ولكن باستثناء الزنوج لم يكن هناك طبقة مغمورة بشكل دائم, كان لدى كل شخص في داخله ما يشبه اللب -المعرفة ان بامكانه تحصيل عيش كريم وكسبه دون خضوع, عندما تقرأ عن طوافي وبحاري الميسيسبي عند مارك توين او عمال مناجم الذهب في الغرب عند برت عارت يظهرون اكثر بعدا في العصر الحجري من اكله لحوم البشر; السبب هو انهم ببساطة كائنات بشرية حرة, ولكن الامر ذاته مع امريكا المدجنة المسالمة في الولايات الشرقية, أمريكا في "نساء صغيرات " و "أطفال هيلين" و "الركوب جنوبا من بانجور" الحياه لديها ميزة مبهجة وخاليه من الهم بإمكانك الشعور بها وانت تقرأ, مثل احساس جسدي في معدتك. اذا كان هذا ما يحتفي به وايتمان , رغم انه يقوم بذلك بشكل سيء في الحقيقه, لانه احد هؤلاء الكتاب الذين يخبرونك يما يجدر بك ان تشعر به, بدلا من جعلك تشعر به. ربما لحسن طالع معتقداته ; فقد مات مبكرا جدا حتى لا يرى التدهور في الحياة الامريكية الذي جاء مع صعود الصناعات الواسعه النطاق واستغلالها العمالة المهاجرة الرخيصة.

استشراف ميللر قريب بعمق من استشراف وايتمان, وكل من قرأ له علق حول ذلك تقريبا. “مدار السرطان" تنتهي بمقطع وايتمان(ي) بشكل خاص, جيث يجلس ببساطة -بعد الفسق والنصب المشاجرات ونوبات الشرب والحماقات- ويراقب دفق نهر السين الماضي, في نوع من القبول الصوفي بالاشياء كما هي, ولكن ما الذي يقبله ؟ أولا ليس امريكا, يل كومة اوروبا من العظام العتيقة, حيث كل حبة رمل قد مرت عبر اجساد لا تعد ولا تحصى من البشر, ثانيا ليست حقبة من التوسع والحرية وانما حقبة خوف واستبداد وعسكرة, أن تقول أقبل في عصر مثل عصرنا هو ان تقول انك تقبل معسكرات الاعتقال والهراوات المطاطية. هتلر وستالين وقنابل وطائرات حربية وطعام معلب والرشاشات النارية ومحاولات الانقلاب وحملات التطهير, والشعارات وأحزمة البيدوكس, والأقنعة الواقية من الغاز والغواصات والجواسيس والمحرضين والرقابة الصحفية والسجون السرية والاسبرين وأفلام هوليوود والاغتيالات السياسية. ليست هذه الشياء فقط بالطبع ولكن هذه الاشياء ضمن أخرى, وفي المجمل هذا هو موقف هنري ميلر. ليس دائما تماما; ﻷنه في لحظات ما يظهر اشارات لصنف عادي نوعا ما من النستولوجيا الأدبية. هناك مقطع طويل في الجزء المبكر في "ربيع الاسود" في مدح العصور الوسطى, هو كنز يحب ان يكون احد اكثر نماذج الكتابة روعة في السنوات القليلة الماضية, ومع ذلك يُظهر موقفا ليس مختلفا كثيرا من موقف تيشسترون. في (ماكس والخلايا البالعة البيضاء) هناك هجوم على الحضارة الامريكية الحديثة (حبوب الافطار, اليلوفان ,,,) من الزاويه المعتادة للرجل الادبي الذي يكره ريادة الصناعة الالية في اقتصاد المجتمع ولكن بشكل عام الموقف هو "دعونا نبتلعها بأكملها”. وبالتالي الانشغال الظاهر بالفحش, وجانب المنديل البذيء من الحياة هو ظاهري فقط; لان الحياة العادية في واقع الامر تتألف الى حد اكبر بكثير من الاهوال مقارنة بما يقر كتاب الادب المتخيل به عادة. وايتمان نفسه قد قبل الشيء الكثير مما وجده معاصروه لا يستحق الذكر, اذ انه لا يكتب فقط من المروج, هو ايضا يطوف عبر المدينة ويلحظ حجم الجمجمة المحطمة من الانتحار, “وجوه المستمنين الرمادية المريضة" ,,, لكن مما لا ريب فيه – عصرنا نحن- على الاقل في اروربا الغربية هو اقل صحة وأقل أملا من العصر الذي كان وايتمان يكتب فيه. خلافا لوايتمان, نعيش في عالم منكمش, “الافاق الديمقراطية" انتهت بأسلاك شائكة. هناك شعور أقل بالانجاز والنمو, تركيز أقل وأقل على المهد المتأرجح بلا نهاية, تركيز اكثر واكثر على ابريق الشاي دائم الغليان. أن تقبل الحضارة كماهي يعني ان تقبل الاضمحلال, لم يعد ذلك موقفا شاقا وبات موقفا سلبيا – او حتى منحطا- اذا كانت هذه الكلمة تعني شيئا.

لكن لكونه -يمعنى ما- سلبيا حتى يُجرب تحديدا- يتمكن ميلر من ان يقترب الى الشخص العادي اكثر مما هو ممكن للكتاب الهادفين لان الشخص العادي هو سلبي بدوره. ضمن دائرة ضيقة (الحياة الاسرية, وربما اتحاد المهن او السياسات المحلية) يشعر انه هو سيد مصيره, لكن امام الاحداث الرئيسية هو عاجز تماما كما لو كان أمام العناصر. بعيدا جدا عن محاوله التأثير على المستقبل هو يستقلي ببساطة ويدع الاشياء تحدث له. خلال السنوات العشر الاخيرة شغل الادب نفسه بعمق مطّرد مع السياسة, وترتب على ذلك ان هناك مستعا أقل فيه للشخص العادي اكثر من اي وقت مضى خلال المائتي عام الاخيرة. بإمكان المرء رؤية التحول في الموقف الادبي السائد عبر مقارنة الكتب التي كتبت عن الحرب الاهليه الاسبانية وتلك المكتوبه عن حرب 1914-1918 . الشيء المدهش فوريا عن كتب الحرب الاهلية الاسبانية -على الاقل تلك المكتوبة بالانجلزية- هو بلادتها ورداءتها الصادمة. لكن ما هو أكثر أهمية انها كلها تقريبا -اليمينية واليسارية- مكتوبة من زاوية سياسية, من قبل حزبين معتدين بأنفسهم يخبرونك بم تفكر به, في الحين الذي كتبت فيه الكتب عن الحرب الكبرة من قبل عامة الجنود او صغار الضباط الذين لم يحاولو الادعاء بانهم فهمو كل شيء عن الحدث. كتب مثل "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" و" وداع للسلاح" و "موت بطل" و "وداعا لكل هذا" و "ومذكرات ضابط مشاه" و " ملازم اول على اليوم" كتبت ليس من قبل صانعي دعاية سياسية, بل من قبل ضحايا, هم يقولون ما معناه "ماذا بحق الجحيم كل هذا؟ الله أعلم, كل ما يمكننا فعله هو ان نتحمل" ومع انه لا يكتب عن الحرب ولا -بالمجمل عن التعاسة- هذا اقرب لموقف ميللر من الموسوعيه التي تسود اليوم. النشرة دورية "المشجع " دورية عرفت عمرا قصيرا وكان هو احد اهم محرريها, كانت تصف نفسها في اعلاناتها انها "غير سياسية وغير تعليمية وغير تقدمية وغير تعاونية وغير اخلاقية وغير مبدئية وغير معاصرة" وعمل ميلر عينه يمكن وصفه تقريبا بالعبارات نفسها, هو صوت من الجمع صوت من التوابع من عربة الدرجه الثالثة, من الرجل العادي وغير السياسي وغير الاخلاقي والسلبي.

قد استخدمت تعبير "الرجل العادي" على نحو فضفاض, وقد اعتبرت ان وجود الشخص العادي مسلم به, أمر يُنكر في هذه الاونة من البعض. أنا لا اعني ان الناس الذين يكتب عنهم ميلر يشكلون أغلبية, وإلى حد اقل انه يكتب عن الطبقة العاملة ما من كاتب انجليزي أو امريكي قد حاول ذلك بعد بجدية – وإضافة الى ذلك – الاشخاص في مدار السرطان لا يستوفون كونهم عاديين الى الحد انهم عاطلون وسيئو السمعة وبشكل او بآخر ذوو ذائقة فنية. كما قلت مسبقا, كون هذا الوضع مؤسف ولكنه نتيجة ضرورية للمهجر. الشخص العادي خاصة ميلر ليس بعامل يدوي او رب منزل في الضواحي, بل المنسي, ومن خفضت طبقته والمغامر, المثقف الامريكي بلا جذور وبلا نقود, ومع ذلك حتى تجارب هذا النوع تتداخل باتساع معقول مع تجارب الاشخاص الاكثر اعتيادية. ميللر كان قادر على استخلاص الافضل من هذه المادة المحدودة حقا; لأنه امتلك الشجاعة لأن يتماثل معها. الشخص العادي, (الرجل الحسّي المتوسط) أُعطي القدرة على الكلام مثل الحمار الذهبي.

سيبدو ان هذا الشيء فات اوانه, بمعنى انه لم يعد على الموضة في جميع الاحوال. الرجل الحسي المتوسط لم يعد على الموضة. الانشغال بالجنس وصدق الحياه الداخليه لم يعد على الموضة. باريس الامريكية لم تعد على الموضة. كتاب مثل "مدار السرطان" منشور في وقت كهذا يجب ان يكون تكلف ممل او شيء خارج عن المألوف, واعتقد ان أغلبية من قرأوه سيتفقون انه ليس الأول. من المجدي محاولة اكتشاف ماذا يعني تماما الهروب من هذه الموضة الادبية الحالية, لكن لفعل ذلك على المرء رؤية العمل أمام خلفيته – أي امام التطور العام للأدب الانجليزي في السنوات العشرين منذ الحرب.