هنري ميلر - فن الخيال

هنري ميلر - فن الخيال

مقابلة هنري ميلر مع جورج ويكس في لندن سبتمبر 1961

في العام 1934, نشر هنري ميلر البالغ من العمر 42 عاما, أوّل كتبه. هذا الكتاب الذي لم ينشر في بلده الاصلي -امريكا-. قبل العام 1961 جعله مشهورا بعدما اصبح من الكتب الاكثر مبيعا هناك. انخفضت هذه الشهرة في الوقت الحالي بسبب الجدل الدائر حول الفحش والبذاءة في كتبه, حتى ان الشخص يتحدث عن اي موضوع باستثناء موضوع الكتاب نفسه.

ولكن هذا ليس بالشيء الجديد, مثل ديفيد لورانس اعتُبِر ميلر اسطورة, ومُدِح من النقاد والفنانين, وقلده الشواذ ووقره الحجاج. عدا عن كل هذا كان بطلا حضاريا -او وغدا- لاولئك الذين يرونه تهديدا للحضارة والانظمة. يصفه البعض انه بطل . شعبي, متشرد, نبي و منفي. ابن بروكلين الذي ذهب الى باريس عندما كان الجميع بعودون منها, الجائع البوهيمي الذي عانى كثيرا من الناحية الابداعية في امريكا.

كتب حياته على شكل سلسلة من روايات عن متشرد, فـ"الربيع الاسود" تمثل بدايه حياته في بروكلين, أما رحلة بحثه عن ذاته وهو في العشرينيات فكتبها في "مدار الجدي" وثلاثية "الصلب الوردي" ويتحدث كتابه "مدار السرطان" عن احداث حياته في باريس

ذهب الى اليونان عام 1939 في زيارة الى لورانس ديوريل وهناك جاءته فكرة "مغامرات ماروسي". انقطع بسبب الحرب واضطر للعودة لأمريكا,, وفي عام 1944 استقر في "بيج سور" على ساحل كاليفورنيا, التي جعلها اسمه مركزا للحج ما جعله يتركها ويغادر مرة اخرى

الان وهو في السبعينات, يبدو هنري كراهب بوذي ابتلع طائر كناري. هو دائما ما يثير الاعجاب بدفئه وحسه الفكاهي. على الرغم من رأسه الاصلع المحاط بشعر ابيض, لا شيء عجوزٌ فيه. شخصيته مرحة بشكل لا يصدق كأنه شاب, كذلك ايماءاته وحركاته كلها شابة

صوته يأسرك بشكل سحري, صوت يافع جهوري قليلا مع الكثير من التنوع في التعديلات في النطق -التي لا يمكن ان يكون اكثر لاوعيا منه عندما ينطق بها- يتكلم عاده لهجة بروكلينية معدلة. وغالبا ما يتخللها بعض الوقفات البلاغيه من مثل أترا؟ ا,أتعلم ذلك ؟ علاوة على سلسلة من الاصوات التي تعكس التناقض -مممممم, نعم نعم …..- ولكن لتشعر بجمال ومصداقيه هذا الرجل عليك ان تستمع شخصيا لتسجيلاته

هنري ميلر رسم ذاتي

جورج ويكس:

بداية, اشرح لنا كيف تكتب؟ هل تقوم ببري اقلامك كما يفعل هيمنغواي أو أي عادة اخرى من شأنها ان تحفزك للبدء؟

ميلر:

عموما لا, لا شيء من هذا القبيل, عادة ما اقوم للكتابه مباشرة بعد الافطار. اجلس عند الاله الكاتبة واذا وجدت انني لست قادرا على الكتابة اقوم فورا. ولكن لا يوجد بالأساس أي مرحلة تمهيدية

 

- هل هناك اوقات معينه من اليوم او ايام معينة يكون عملك فيها افضل من غيره ؟

-- حاليا افضل اول ساعتين او ثلاث فقط من الصباح. في البداية اعتدت على العمل من منتصف الليل وحتى الفجر ولكن هذا كان في بدايتي فقط, عندما ذهبت الى باريس كان العمل في الصباح هو الافضل ولكن عندما اعتدت على العمل ساعات طويلة, كنت اعمل في الصباح واخد قيلولة بعد الغداء ثم انهض واعود للكتابة, في بعض الاحيان كنت ابقى حتى منتصف الليل ولكن في العشر او الخمس عشر سنة الماضية وجدت انه ليس من الضروري أعمل كثيرا هكذا, هذا سيء بالواقع فأنت تستنزق مخزونك

 

- هل تعتقد انك تكتب بسرعة؟ يبرليس يقول في كتابه "صيقي هنري ميلر" انك من اسرع الطبّاعين الذين بعرفهم؟

-- نعم, كثيرون يقولون هذا. من المؤكد اني اثير ضجة كبيرة عندما اطبع. اعتقد انني اطبع بسرعة ولكن ليس دائما. اطبع بسرعه لفترة ثم تاتي المراحل التي اعلق فيها, ربما اقضي ساعة كاملة على صفحة ولكنه نادرا ما يحدث, لانني عندما اتعثر في موضع معين اتجاوزه واكمل واعود اليه في يوم اخر بعقليه انشط.

 

- كم المدة التي تعتقد انك قضيتها في كتابة احد كتبتك الاوائل؟

-- لا يمكنني الاجابة, لا يمكنني ابدا ان اتنبأ كم تستغرق كتابة كتاب ما, حتى الان عندما اجلس للكتابة لا استطيع التنبؤ. كما انه من الخطأ ان تطلب تورايخ معينة بدأ بها الكاتب كتابه وانتهى خلالها. هذا لا يعني انه كان كتب بانتظام خلال تلك الفترة. فمثلا صبوات او لنقل ثلاثية الصلب الوردي بالكامل, اعتقد انني بدأت فيها عام 1940 ولم انتهِ منها الى الان -تاريخ المقابلة 1961- حسنا من السخيف القول انني اعمل بها طول هذه الفترة فأنا لم افكر بها منذ سنوات لذا كيف لك ان تسألني كهذا السؤال

 

- حسنا, اعرف انك اعدت كتابة "مدار السرطان" مرات عديدة, وقد تكون عانيت هذا الكتاب اضعاف غيره, ولكنها كانت البداية, هل اصبحت الكتابة اسهل فيما بعده

--اعتقد ان لا معنى لهذه الاسئلة, ما المهم في المدة التي استغرقها في كتابة كتاب؟ اذا اردت سؤال سيمينون سيعطيك اجابة محددة. اعتقد انها تستغرق من اربع الى سبع اسابيع منه فكتبه لها طول معين بالعادة. كما انه من الاستثناءات القليلة الذين اذا قالوا "اني ذاهب لأكتب كتابا" فهو يسلم نفسه تماما لذاك الكتاب. يقوم يحجز نفسه, ولا يوجد شيء اخر يفكر به او يفعله. ولكن بالنسبة لي حياتي لم تكن ابدا هكذا. عندي امور اخرى للقيام بها تحت اشعة الشمس.

 

- هل تعدل كثيرا او تغير على ما تكتب؟

-- هذا شيء مختلف, لا اقوم بأي تعديل او مراجعة اثناء الكتابة. على فرض اني كتبت شيئا بأسلوب قديم, سأتركها فترة من الزمن شهر او شهرين تقريبا, بعدها اراها بنظرة جديدة. اعدل واغير عملي بالفأس ولكن ليس دائما, في بعض الاوقات تكون قد كُتبت تمام كما اردتها.

 

- كيف تراجع كتابك ؟

-- عادة ما استخدم قلم حبر في المراجعة للتعديل , اقوم بشطب كلمات واضيف اخرى, في النهاية يصبح شكل المخطوطة رائعا مثل مخطوطات بلزاك. ثم اقوم بإعادة الطباعة واثناء ذلك اقوم بتعديلات اخرى. دائما ما افضل ان اعيد الطباعة بنفسي لانني حتى عندما اعتقد انني قمت بكل التعديلات التي اريد فإن مجهودي في لمس حروف الطابعة يشحذ افكاري لأجد نفسي اقوم بمراجعة اخرى.

 

- تعني ان هناك علاقة خاصة بينك وبين الة الطباعة ؟

--نعم, بشكل او بآخر تقوم هذه الالة بتحفيزي, انها شيء متعاون

 

- تقول في كتابك "الكتب في حياتي" ان معظم الكتاب والفنانين يعملون في ظروف غير مريحة. هل تعتقد ان هذا يساعدهم ؟

-- نعم, اعتقد انه بطريقة او بأخرى فإن اخر اهتمامات الكاتب او الفنان هي ان يصبح مرتاحا عندما يعمل. لربما ان عدم الارتياح يساعدهم او يحفزهم. البعض ممن يستطيعون تحسين ظروف عملهم يرفضون هذا ويختارون العمل في ظروف تعيسة

 

- هل يمكن ان تكون هذه الظروف السيئة ظروفا نفسية؟ دوستوفيسكي على سبيل المثال…

-- حقيقة لا اعرف, أعرف ان دويستوفيسكي كان دائما في حالة بائسة, ولكن لا يمكننا القول انه اختار هذه الظروف عن عمد. لا, لا اعتقد ان اي شخص سيختار هذه الظروف الا اذا لم يكن يعي ما يفعل. اعتقد أنّ لدى الكثير من الكُتّاب ما يمكن تسميته ب"الطبيعة الشيطانية" هم دائما في مشاكل, ليس فقط عندما يكتبون او لأنهم يكتبون ولكن في كل تفاصيل حياتهم في زواجهم, الحب, العمل, المال, كل شيء تقريبا. هذه الاجزاء كلها مرتبطة ببعضها. هي جانب من شخصيتهم الابداعية, طبعا ليست كل الشخصيات المبدعة تعاني المشاكل ولكن البعض منها هكذا

 

- تحدثت في أحد كتبك عن "الاملاءات" التي تملكتك, عن هذه الكلمات التي تخرج منك, كيف يحدث هذا ؟

-- حسنا, نادرا ما يحدث هذا, هذه الاملاءات. شخص ما يستحوذ عليك وكل ما تقوم به هو نسخ ما يتم قوله. اكثر ما تحدث هذه عند الكتابة عن ديفد لورانس, العمل الذي لم انهيه قط – لأن على ان افكر كثيرا. وكما ترا اعتقد انه من السيء ان افكر. على الكاتب ان لا يفكر كثيرا, ولكن هذا العمل يتطلب الكثير من التفكير, وأنا لست جيدا في هذا, اكتب من مكان عميق في الاسفل. وعندما أكتب, لا اعرف ما الذي سيحدث. أعرف تماما ما الذي اريد كتابته ولكنني لا اعرف كيف سأصوغها, أما في ذلك الكتاب -ديفد لورانس- فأنا اتصارع مع الافكار يجب ان يكون لها شكل ومعنىً. قضيت على ما اعقتد العامين عليها, كنت مشبعا بالكلمات لقد أصحبت هاجسا , ولكني لم استطع كتابة شيء. لم استطع النوم ايضا. وكما قلت كانت املاءاتٍ ما كتبته في ذاك الكتاب, حدثت هذه الاملاءات ايضا في "مدار الجدي" وفي اجزاء من كتب اخرى. اعتقد ان تلك الفقرات تبرز وحدها, لا اعلم ان لاحظ احد هذا ام لا.

 

- هل هذه الفقرات هي ما تسميها "كادينزا" ؟

-- نعم, لقد قلت هذا. هذه الفقرات التي اتحدث عنها صاخبة, تتساقط فيها الكلمات فوق بعضها, أعتقد ان هذه هي الطريقة التي علينا الكتابة بها كل الاوقات, وهنا نرا الفرق الكبير بين التفكير والتصرف والانضباط بين الشرق والغرب, على فرض ان فنّانا من الزن يريد ان يقوم بعمل ما, فإنه سيستغرق فتره طويلة من التحضير والانضباط والتأمل, هدوء تام خلال تلك الفترة, تنتهي فيها الافكار, صمت ولاشيء وهكذا. قد يستغرق هذا شهورا او حتى سنينا. وبعدها يبدأ,تماما كالبرق, كما ارادها. حسنا اعتقد ان هذه هي الطريقه التي علينا انجاز اي عمل فني بها, ولكن من يقوم بهذا ؟ نحن ارواحٌ تقوم بعكس هذا تماما.

 

- هل هناك من ظروق معينة على الكاتب ان يقوم بها كما يفعل مبارزو الزن؟

-- لماذا ؟ بالتأكيد عليهم ولكن من يفعلها ؟ بشكل او باخر فإن كل فنان يقوم بضبط نفسه في ظروف معينه سواءاً قصد ذلك ام لم يقصد. كل شخص لديه طريقته, عموما فإن معظم الكتابات يكتبها الكاتب بعيدا عن الالة الكاتبة, بعيدا عن مكتبه. اعتقد انها تكتب في الهدوء, في لحظات الصمت, عندما تتمشى او تحلق او تلعب لعبه معينه او التحدث مع شخص انت لست مهتما بكلامه او اي شيء اخر, دماغك يعمل على هذا في مكان خفي في رأسك, لذا فأنت عندما تذهب لتكتب على الطابعة فإن كل ما تفعله هو نقل كلام لا اكثر.

 

- قلت سابقا ان شيئا ما داخلك يقودك حينها ؟

-- نعم طبعا, من يكتب الكتب العظيمة؟ لسنا نحن الذين نوقع اسماءنا عليها, من هو الفنان؟ هو رجل يملك هوائي يلقط من خلالها الموجات الموجودة في الهواء. هو مجرد شخص يستطيع التقاطها لا أكثر. من هو مبتكرها ؟ كل ما نكتبه او نفكر به كان موجودا مسبقا ونحن فقط وسطاء هذا هو كل شيء.لماذا تظهر اختراعات عظيمة في أكثر من مكان في العالم بنفس الوقت, ينطبق الامر نفسه على العناصر التي ننظم بها قصيدة او نكتب رواية او اي عمل فني . كلها موجودون في الهواء مسبقا, ولكنهم لا يملكون صوتا, هذا كل مافي الامر, انهم بحاجة لرجل يفسرهم, ليجيء بهم . حسنا, اعتقد كذلك انه من الصحيح ان بعض الرجال سابقون لأوانهم ولكن هذه الأيام لا أراهم الفنانين من يسبقون زمانهم بل العلماء, الفنانون يتأخرون خلف زمانهم. مخيلاتهم لا تستطيع ان تسير على وتيرة العلماء

 

- هل تعتقد بالقول ان بعض الاشخاص فقط هم المبدعون, انجوس ويلسون يقول ان الفنان يكتب بسبب صدمة عصبية تعرض لها, وما يكتبه هو بمثابة علاج لاضطرابه العصبي, أدولف هكسلي على العكس, يقول ان الكاتب عاقل قبل أي شيء, ولو أصابه اضطراب عصبي فهو عائق اخر امام الكاتب, هل لديك وجهة نظر حيال الموضوع؟

-- هذا يختلف من كاتب لآخر, لا اعتقد اننا نستطيع التعميم في جملة واحدة, في النهاية الكاتب هو انسان مثل بقية البشر, قد يصاب باضطراب عصبي وقد لا يصاب. أعني ان الاضطراب العصبي او غيره مما يدعون انها تشكل شخصيته يمكن اعتباره في كتاباته, اعتقد انه موضوع غامض اكثر من ذلك ولذا لن أحاول ان اضيف عليه, قلت ان الكاتب هو انسان له هوائي يلتقط الكلام فيه, اذا ادرك ذلك سيكون متواضعا جدا, سيعتبر نفسه مملوكا لكليّة تم اعداده فيها لخدمة الاخرين. لا يملك شيئل ليفتخر فيه. اسمه لا يعني شيئا. هو مجرد أداة في عملية طويلة.

 

- متى عرفت انك مملوك لتلك الكليّة ؟ متى بدأت كتاباتك الاولى ؟

-- من المؤكد انني بدأت عندما كنت في ويسترن يونيون. تحديدا عندما كتبت كتابي الاول. وكتبت اشياء صغيرة في ذلك الوقت كذلك, ولكن الحدث الحقيقي بدأ بعدما استقلت من ويسترن يونيون -عام 1924- عندما قررت ان اصبح كاتبا وافرغ نفسي للكتابة تمام

 

- أي انك بدأت الكتابة قبل ما يقرب العشر سنوات من ظهور "مدار السرطان"

-- تقريبا, تخللها القيام بأمور اخرى, كتبت روايتين او ثلاث في تلك الفترة. لقد كتبت روايتين قبل ان اكتب مدار السرطان

 

- هلّا اخبرتنا قليلا عن تلك الفترة ؟

-- حسنا, لقد تحدثت كتيرا عنها في ثلاثية الصلب الوردي (صبوات, الوشيحه و الظفيرة) خصوصا في النصف الثاني من الظفيرة, تحدث فيها كثيرا عن المتاعب التي واجهتني وقتها, حياتي البدنية والمصاعب التي واجهتها, عملت مثل الكلب وفي نفس الوقت- لا ادري ماذا يجب ان اقول- لقد كنت مشوشا, لم اكن اعلم ما الذي افعله. ولم اعلم الى اين اذهب, كان من المفترض انني اعمل على كتابة رواية, أعظم رواية, ولكن لم اكن افعل شيئا, في بعض الايام لم أكن اكتب اكثر من ثلاث او اربعة اسطر طوال اليوم , كانت زوجتي تعود من العمل وتسألني "كيف تسير الامور ؟ " ( لم اكن اتركها ترا ما الذي اكتبه في آلتي الكاتبة) فأقول لها "اوه انها تتقدم بشكل رائع" “اين صرت الآن" وحينها اعتقد اني لم اكن قد كتبت اكثر من ثلاث او اربع صفحات من ما يفترض علي ان اكتبه, ولكنني احدثها وكأنني كتبت مئة او مئة وخمسين صفحة.أحدثها عما كتبته, أُألف الرواية عندما اكلمها وهي تصغي لي وتشجعني, وهي تعلم تماما انني اكذب عليها. في اليوم التالي تأتيني وتسألني "ماذا عن ذلك الجزء الذي كلمتني عنه سابقا, كيف تسير اموره" وكل شيء كذب في كذب, تأليف مشترك بيننا. رائع ,,, رائع.

 

- متى بدأت بتدوين كل هذا, مجلدات سيرتك الذاتيه التي كتبتها (مدار السرطان + الصلب الورد)

-- عام 1927 عندما ذهبت زوجتي لاوروبا وانا بقيت في المنزل, عملت قليلا في إدارة المنتزهات في كوينز, ذات يوم عند غروب الشمس , عوضا عن الذهاب للمنزل, كنت مأسورا بفكرة كتاب عن حياتي وظللت طول الليل اكتب. لقد خطط لكل شيء كتبته في حوالي الاربعين او الخمسين صفحة, كتب ذلك في مذكرات على شكل تيليغرافي, ولكن كل شيء كان فيها, كل أعمالي من مدار الجدي الي الصلب الوردي (باستثناء مدار السرطان التي كانت من حاضر فوري) كل شيء كان عن السيع سنوات التي عشتها مع تلك المرأة, من لحظة لقائنا الى ان غادرت الى اوروبا. لم اعلم وقتها متى سوف اغادر ولكني علمت اني مغادر عاجلا ام اجلا. لقد كانت اهم فترات حياتي ككاتب, الفترة التي سبقت مغادرتي لأمريكا.

 

-يتحدث ديوريل عن حاجة الكاتب لاختراق كتاباته, ليسمع صوته الخاص هل هذا التعبير لك بالاساس ؟

-- نعم اعتقد هذا, عموما حدث هذا معي في مدار السرطان, حتى تلك اللحظة كنت كاتبا ثانويا متأثرا بالجميع, اجمع درجات واجزاء من كل كاتب احببته مسبقا, كنت أدييا كما يمكن ان تقول, ولكني لم اعد كذلك, لقد قطعت الحبل, قلت انني سوف افعل ما استطيع فعله, سأعبر عما في نفسي ولهذا كتبت عن نفسي . لقد قررت ان اكتب من وجهة نظري, من تجربتي الشخصية, ما مررت به وشعرت به. وقد كان هذا خلاصي.

 

- عن ماذا كانت هذه الروايات؟

-- اتصور انك سوف تعرف, من الطبيعي ان تجد آثارا من شخصيتي فيهم, ولكني شعرت بشدة انه يجب ان يكون هناك نوع من قصة, مؤامرة لتُكشف. كنت معنيا في الشكل وسلوب الصياغة اكثر من ما هو ضروري

 

- ماذا عنيت بـ "اسلوب ادبي"

-- شيءٌ ما مبتذل وعديم الفائدة, عليك التخلص منه, الاسلوب الادبي هو شخص عليك القضاء عليه. في الحقيقة ليس عليك قتله, فهو عنصر مهم جدا منك ككاتب وبالتأكيد كل كاتب لديه اسلوبه الذي يحبه ويعشقه ولكن الشيء الاخر في الكتابه هو أنت, النقطة التي وجدتها ان افضل اسلوب في الكتابة هو اللا أسلوب, لا اعتقد ان علي التقيد بأي اسلوب كتابي. احاول دائما ان ابقي منفتحا ومرنا, جاهزا للميل اينما مالت الريح, او تيار افكاري. هذا هو موقفي واسلوبي, اذا كنت كذلك, سوف تكون مرنا ومتنبها لاستخدام اي اسلوب تعتقد انه جيد في تلك اللحظة.

 

- قلت في رسالة مفتوحه الي السرياليين في كل مكان : “لقد كنت اكتب بسريالية في امريكا سابقا دون ان اسمع هذه الكلمة" ماذا تقصد الان ب"السريالية"

-- عندما كنت في باريس, كنا نقول جملة, جملة امريكياً جدا, لدرجة ان تفسيرها افضل من اي شيء اخر, كنا نقول "هيا نأخذ القيادة". كان هذا يعني الدخول الى اعماقك, الغوص في اللاوعي,السير فقط وراء غرائزك وتتبع نبضات قلبك او احشاءك او اي ما كان اسمها. كان هذا اسلوبي في العمل, ولكن هذا لم يكن من مبادئ السريالية; هذا لن يصمد كما اعتقد مع اندريه بريتون.عموما وجهة النظر الفرنسية, اعني وجهة نظرهم في هذه المبادئ لا تعنيني كثيرا. كل ما اريده هو ان اجد في -السريالية- معانٍ جديدة للتعبيرات. معان أعلى وازيد, يجب استخدامها بحكمة وتروٍ. عندما قام سيرياليون معروفون بتوظيف هذا الاسلوب-"هيا نأخذ القيادة"-, فعلوها عن قصد اكثر من اللازم لقد اصبح غير مفهوم بالنسبة الي. ولم يعد له هدف, عندما يفقد المرء وضوحه يخسر, كما اعتقد.

 

- هل السريالية هي ما تعنيه في جملته "في الحياة الليلية"

-- لقد كان الحلم في المقام الاول, يستفيد السيرياليون من احلامهم, وهو طبعا جانب خصب رائع. وبشكل عام سواء بقصد ام بغير قصد, فإن كل الكتاب يوظفون احلامهم حتى عندما يحاولون التعقل والابتعاد عن السيريالية, العقل الواعي هو الأقل نفعا في الفن. عند كتابة شيء, يكافح المرء ليخرج شيئا لا يعرفه. ليضيف بتجرد شيئا لا يستطيع الوعي فهمه, حقاَ, يذهب بالمرء الى لا مكان. أي شخص يستطيع القيام بها مع قليل من التدريب, أي شخص يستطيع ان يكون هذا النوع من الكتّاب.

 

- قلت ان لويس كارول سريالي, وان اسمه يوحي بذلك النوع من الثرثارين, ايهما تقول بالعادة ؟

-- نعم , نعم, لويس كارول من الكتاب الذين احبهم, مستعد للتخلي عن يدي اليمنى لأكتب مثل كتبه, او لاتمكن من كتابة شيء قريب مما كتب. عندما انتهي من كتابي الحالي, سيكون من دواعي سروري ان اكتب بعض الهراء.

 

- ماذا عن الدادائية, هل جربت الدخول فيها من قبل

-- نعم الدادائية كانت اهم بالنسبة لي من السريالية, الحركة الدادائية كانت حركة ثورية حقيقية. كانت فعل متعمد لقلب الطاولة رأسا على عقب, لإظهار الجنون في الحياه اليومية, تفاهة قيمنا. كان هناك العديد من الرجال الرائعين في هذه الحركة, وكان لديهم حس فكاهة عالٍ, كانت شيئا يجعلك تضحك كثيرا, ولكن بنفس الوقت تفكر.

 

- يبدو بالنسبة لي ان "الربيع الاسود" كانت قريبة نوعا ما من الدادائية؟

-- دون شك, لقد كنت حساسا وقتها, كنت منفتحا لكل شيء عندما وصلت اوروبا, لقد عرفت بعض الاشياء في امريكا, نعم لقد وصلتنا بعض الترجمات هناك, جالوس كان رائعا في اختيار غريبي الاطوار من الكتاب والفنانين الذين لم نسمع بهم من قبل. أذكر مثلا انني ذهبت الى عرض للأسلحة لأرى لوحة مارسيل دوتشامب "عارية تنزل الدرج", والكثير من الامور المدهشة. كنت مفتوتنا كالمخمور. كان هذا كل ما ابحث عنه, بدا كله كأني اعرفه.

 

-دائما ما كنت مفهوما ومقدراً في اوروبا اكثر منك في امريكا وانجلترا, كيف تفسر هذا ؟

-- في البدايه لم تتح الفرصة لفهمي في امريكا لاني كتبي لم تكن مطبوعة هناك, بعيدا عن هذا وعلى الرغم من اني امريكي مئة في المئة (وكل يوم يزداد تأكدي بهذا) الا انني اجد تواصلي افضل مع الاوروبيين. كنت اكلمهم واعبر عن افكاري امامهم بشكل اسهل, كانو يفهمونني اسرع. لقد حظيت بعلاقة افضل معهم من علاقتي مع الامريكيين

 

- في كتابك عن باتشن, قلت انه لن يتم قبول الفنان في امريكا مالم يتنازل عن نفسه ويطعن بها, هل ما زلت تعتقد بهذا ؟

--نعم, اكثر مما مضي. اشعر ان امريكا تعادي الفنان, وان عدو امريكا هو الفن, لانه يمثل الفردية والابداع, وهذه صفات غير-امريكية كما يبدو. اعتقد انه من بين كل الدول -باستثناء الدول الشيوعية طبعا- امريكا هي الدولة التي اصبحت الة او روبوتات اكثر من غيرها.

 

- ما الذي وجدته في باريس في الثلاثينيات ولم تجده في امريكا ؟

-- شيء واحد, اعتقد اني وجدت حرية هناك لم امتلكها ابدا في امريكا. التواصل مع الاشخاص اسهل بكثير . الاشخاص الذين استمتع بالحديث معهم. وجدت الكثير من امثالي هناك. علاوة عن ذلك وجدت انهم يتسامحون معي. لم اطلب ان يفهموني او يقبلوني, تسامحهم معي كان كافيا. لم اشعر بهذا ابدا في امريكا. وبعدها كانت اوروبا عالما جديدا بالنسبة لي. اعتقد انه من الجيد في أي مكان ان تذهب الى مكان آخر, عالم اخر, ان تكون أجنبيا. لانني وخلال حياتي كلها, وهذا جزء من نفسيتي كنت غريبا, لقد احببت حقا ان اكون اجنبيا.

هنري ميلر في باريس
هنري ميلر في باريس

 

- بكلمات اخرى, لو انك ذهبت الى اليونان عام 1930 بدلا من 1939 لربما ستجد نفس الشيء ؟

-- قد لا أجد الامر نفسه, ولكني سأجد معاني التعبير عن الذات والتحرر هناك. من الممكن ان لا اصير الكاتب الذي انا عليه ولكني اشعر اني سأجد نفسي. في امريكا كنت على وشك ان أُجنّ, او انتحر. لقد شعرت كليا بالعزلة

 

- وماذا عن بيج سور, هل وجدت بيئه متكاملة ملائمة هناك ؟

-- لا,عدا الطبيعة لم يكن هناك شيء , كنت وحيدا, وهذا ما اردت. مكثت هناك لانها كانت مكانا معزولا. كنت قد تعلمت الكتابة لذا لا يهم اين اسكن. لقد كان تغييرا جميلا, بيج سور بعدها رميت المدن خلف ظهري. طبعا انا لم اخترها ولكن احد اصدقائي رماني هناك على الطريق. قال لي عندما تركني هناك "اذهب وابحث عن هذه المرأة, وهي سوف تحضر لك مسكنا لليلة او اسبوع, انها مدينة رائعة, اعتقد انك ستحبها.” وهكذا سكنت بها. لم اسمع ب"بيج سور" قبل ذلك. علمت عن بوينت سور لانني قرأت لروبنسون جيفرس. قرأت روايته "مرأة في بوينت سور" في مقهى روتوندي في باريس, لن انسى هذا…

 

- هل هو غريب انك فجأة ذهبت للطبيعه بهذه الطريقة ؟ بما انك معتاد على حياة المدن ؟

--نعم, كما ترا لدي طبيعة صينية. في الصين القديمة عندما يكبر الفنان او الفيلسوف فإنه يعتنزل حياه المدن ويذهب ليتأمل بسلام

 

- ولكنها كانت محض صدفة ؟

--بالتأكيد, ولكن كما ترا فإن كل شيء مهم في حياتي حصل بنفس الطريقه, طبعا انا لا اؤمن انها صدفة, بل اعتقد انه كان هناك دائما هدف, كان مخططا لها ان تكون هكذا. تفسير هذا في برجي, هذه هي اجابتي الصريحة. بالنسبة الي انها واضحة تماما.

 

- لم لم تعد لباريس لتعيش بها ؟

--لأسباب عدة, اولا لقد تزوجت بعدما سكنت بيج سور بفترة وجيزة واصبح عندي اطفال, ولم املك نقودا, واعتقد اني وقعت في حب بيج سور. لم تعد لدي الرغبة لأكمل حياتي الباريسية, لقد انتهت. مات معظم اصدقائي, لقد دمرت الحرب كل شيء.

 

- تقول جيرترود ستين ان الحياه في باريس نقّت انجليزيتها لانها لم تستخدمها بشكل يومي, وهذا جعلها بشكلها الحالي بالنسبة لها. هل الحياه في باريس اثرت عليك بنفس الشكل ؟

-- لا , ولكني افهم مالذي عنته في كلامها, بالتأكيد تحدثت الانجليزية اكثر بكثير من ما تحدثت جيرترود, ولكني ما زلت متشبعا بالفرنسية كل الاوقات. سماع لغة اخرى يوميا سيقوي لغتك الاصليه, يجعلك منتبها للفروق الدقيقة التي لم تشعر بها من قبل. شيء مهم اخر انك تتلهف لاستخدام جمل ومصطلحات معينة. ستصبح ادرى وأوعى بلغتك.

 

- هل حصل وان كان لديك اي شيء لتفعله مع جيرترود ستين او ومجموعتها ؟

--لا , لا شيئ ابدا. لم التقها ولم اعرف اي شخص من مجموعتها. ولكني لم اعرف الكثير عن اي مجموعة, قد تقول اني كنت ذئباَ وحيدا, لقد كنت دائما ضد المجموعات والتنظيمات والطوائف والمذاهب. اعرف عددا من السيرياليين ولكني لم اكن ابدا من مجموعتهم او اي مجموعة اخري

 

-هل قابلت اي امريكي في باريس ؟

-- تعرفت على والتر لوينفيلز, سامويل بتنمان, مايكل فرانكل, شيرود اندرسون, دوس باسوس, ستينبيك والتقيت سارويان لاحقا, في امريكا. التقيتهم في اوقات قليله جدا, لا اكثر. لم تكن لدي صلات حقيقيه معهم, من بين كل الكتاب الامريكيين الذين قابلتهم, شيرود اندرسون هو اكثر من اعجبت به, دوس باسوس كان دافئا ورائعا ولكني احببت كتب اندرسون واسلوبه ولغته من البداية, واحببه كرجل على الرغم من اننا كنا على خلاف في كل شيء تقريبا, خصوصا امريكا. هو يحبها, يحب اشخاصها وكل شيء فيها . كنت على عكسه. ولكني احببت ان سماع ما قاله عنها.

 

- هل عرفت كتابا انجليز ؟ لديك صداقه وثيقه مع بعضهم اليس كذلك ؟ ديوريل و بويز ؟

-- ديوريل , نعم, ولكن من الصعب جدا ان افكر به ككاتب انجليزي, اعتقد انه ليس بريطانيا ابدا. طبعا جون بويز لديه تأثير جميل علي ولكني لم اعرفه ابدا, ولم اتواصل معه. لم اجرؤ ! لقد كنت مغمورا وهو عملاق, لقد كان مثل الهي, ناصحي او معشوقي. كنت اشغل من عبره عندما كنت في العشرينيات, لقد اعتاد وقتها ان يحاضر تجمعات العمال في نيويورك. في اتحاد كوبر واماكن اخرى مثله. لقد كلفني فقط عشر سنتات لسماعه يتحدث. بعدها بما يقرب الثلاثين سنة ذهبت لرؤيته في ويلز, وقد ادهشني انه كان يعرف اعمالي. لقد بدا انه يحبها وهذا ما ادهشني اكثر.

 

- عرفت جورج اورويل في تلك الايام ايضا ؟؟

-- قابلت اورويل مرتين او ثلاث, عندما زار باريس. لم اعتبره صديقا وقتها, وانما معرفه عابرة, ولكني كنت احب كثيرا كتابه "متشردوا باريس ولندن" انها انه احدى الكلاسيكيات. بالنسبة لي اعتبره الى الان افضل كتبه.على الرغم من كونه شخصا جميلا بطريقته الخاصة, ولكنه كان في النهاية شخصا أحمق, هو مثل الكثير من الانجليز, مثالي, وكما بدا لي انه مثالي احمق. رجل مبادئ كما يمكن ان نقول. الرجال ذوو المبادئ مملون جدا بالنسبه لي.

 

- يبدو انك لا تملك اي اهتمامات سياسية ؟

-- ابدا, اعتبر السياسه شيئا خاطئا تماما, عالم متعفن. لن نصل الى اي مكان في السياسة. انها تفسد كل شيء

 

- جتى السياسات المثالية كأورويل ؟

--وبالاخص تلك, المثاليون في السياسة يفتقرون الي احساس بالواقع, قبل كل شيء, على السياسي ان يكون واقعيا. اولئك الاشخاص اصحاب المبادئ والمثاليات, جميعهم في البحار برأيي.على الشخص ان يكون تافها ومجرما بعض الشيء ليكون سياسيا. ان يكون مستعدا ومتلهفا لرؤية الناس تعاني, تذبح من أجل فكره بغض النظر أكانت جيدة او سيئة. اعني هؤلاء هم السياسيون الذين سينجحون.

 

- ماذا عن البعض من الكتاب العظماء القدامى الذين جذبوك ؟ لقد قمت بدراسات عن بيلزاك ورمبود ولورينس. هل تعتقد ان ان هناك نوعا خاصةً من الكتاب يجذبك ؟

-- من الصعب قول ذلك, الكتاب الذين احبهم متنوعون جدا, انهم اكثر من كتاب, لديهم العنصر الغامض الميتافيزيقي لا ادري بم اوصفه. هذه الاوصاف الصغيرة التي تتجاوز قوانين الادب. كما ترا الناس يقرأون ليستمتعو او ليقضو الوقت, او ليتم توجيههم. انا لا اقرأ لأقضى اوقاتا, او ليتم توجيهي. انا اقرأ ليأخذوني الي خارج نفسي, لأشطح بنفسي. دائما ما اجب المؤلف الذي يستطيع حملك خارج نفسك.

 

- هلّا اخبرتنا لماذا لم تستطع انهاء كتابك عن لوررينس ؟

-- نعم هو سبب بسيط, كلما كتبت في ذلك الكتاب قلت معرفتي ما الذي افعله. اجد نفسي في فوضى من التناقض. أجد اني لم اعرف حقا من هو لورينس, لا استطيع وضعه او توجيهه او العبث بشخصيته, وبعدها لم اعد استطيع التعامل معه. اصبح محتارا كليا. لقد ادخلت نفسي الى غابة لم استطع الخروج منها. لذا تركت العمل ولم اكمله.

 

- لم تواجه هذه الصعوبة مع ريمبود, اليس كذلك ؟

-- لا, يا للغرابة, لقد كانت شخصيته كاللغز. حقا ولكني لم اتصدى لكل فكره في كتاباته. لورينس كان شخص افكار بالكامل, لقد شنق ادبه على رف هذه الافكار.

 

- لا تتفق بالضرورة مع افكار لورينس, اليس كذلك ؟

-- لا, ليس جميعها, ولكني اقدر بحثه, وكفاحه, وهناك العديد من الامور التي اتفق مع لورينس بها. ولكن على الجانب الاخر هناك الكثير من الامور التي تضحكني في لورينس, امور تبدو سخيفة وحمقاء. لقد فهمته اكثر هذه الايام, ولكن لم اعد اجد انه من الضرورة ان اتحدث اي شيء عنه.

 

- حسنا, اعتقد ان علينا ان ننتقل الان الي السؤال حول الاباحية والفحش, آمل ان لا تمانع ذلك. ولكن في النهاية, الجميع يعتبرك السلطة والمرجع في هذا الموضوع. هل قلت يوما انك  "مع الفحش وضد الاباحية" ؟

 -- حسنا, انها بغاية البساطة. الفحش هو الصراحة والاباحيه هي الالتفاف. انا اؤمن بقول الحقيقة, اخراجها من مكانها البارد, وان تصدم الجميع اذا لزم الامر, وليس التمويه. ويكلمات اخرى, الفحش هو عمليه تطهير بينما الاباحية فقط تضفي المزيد من الظلمة.

 

 - تطهير ماذا ؟

-- عندما يكسر تابو معين, فإن شيئا جيدا قد حدث, شيء ضروري

 

 - هل التابوهات جميعها سيئة ؟

-- لم تكن سيئة عند الاشخاص البدائيين, لقد كان هناك سبب للتابوهات في الحياة البدائية, لكن ليس في حياتنا هذه, ليس في المجتمعات المتحضرة. التابو الان شيء خطير وغير مؤذٍ. كما ترا الاشخاص المتحضرون لا يعيشون وفقا لمبادئ او اخلاقيات معينة. نحن نتكلم عنهم, نحن ندفع الضريبة عنهم ولكن لا احد يؤمن بهم. لا أحد يعيش على هذه القوانين, لا يوجد لهذه القوانين اي مكان في حياتنا. التابوهات هي كالصداع بسبب الخمر, انتجته عقول مريضه. قد تقول انه من المخيف لبعض الناس الذين لا يملكون الشجاعة ليعيشو او من يتمظهرون بالاخلاق وان الاديان قد فرضت هذه الامور علينا. أنا ارى العالم, العالم المتحضر, وهو غير متدين بنسبة كبيرة. الدين الذي يسيطر على المدنيين دائما خاطئ ومنافق, معاكس تماما لاوائل معتنقي هذا الدين.

 

- ولكن ما زلت انت نفسك تدعى انك رجل متدين ؟

--نعم ولكن بدون اعتناق اي دين. ماذا يعني هذا ؟ يعني ببساطه اني ابجل الحياة, مع الحياة ضد الموت. مجددا كلمة "حضارة" عندي مرتبطة بالموت. عندما استخدمها ارى الحضارة كالشلل, شيء محبط, شيء سفيه. بالنسبة لي دائما ما كانت هكذا,. لا اؤمن بالعصور الذهبية, اعني انه كانت هناك عصور ذهبية لمجموعة قليلة من الاشخاص, للجماعة مصطفاة ولكن البقية دائما ما كانو في بؤس دائما ما كان هناك الخرافات, لقد كانو مسحوقين. كانو مسحوقين بين الدولة والكنيسة.ما زلت معجبا باشبنجلر, وهذا ما نحن عليه الان. اشبنجلر دائما ما يفرق بين الحضارة والثقافة. الحضارة بمثابة تصلب شرايين الثقافة.

 

-, كتب ديوريل في مقال عنك لمجلة الافق قبل عشر سنين من الان, تحدث عن "الفحش كأسلوب" هل تعتبر حقا ان الفحش يستخدم كأسلوب ؟

--اعتقد اني اعرف ما الذي قصده. لقد قصده اسلوب الصدمة. حسنا لربما استخدمتها بشكل غير واعٍ, ولكني لم استخدمها ابدا عن قصد. لقد حاولت توظيف الفحش ليبدو طبيعيا كما لو انني اتكلمه. كان كالنفس, كان جزءا من ايقاع كامل. مرت لحظات كنت فيها فاحشا, ولحظات اخرى لا اعتقد اني الفحش كان فيها ضروريا. ولكنه كان عنصرا ضروريا, ولا يجب تجاهله او التغاضي عنه او قمعه.

 

-وقد يبالغ فيها احيانا ؟؟

-- قد يحدث هذا, ولكن ما الضرر الذي ستحدثه اذا كان هناك ضرر اساسا ؟ ما الذي سنقلق حياله ؟ لماذا هناك مخاوف من هذا؟ كلمات, كلمات ما الذي يدعوك للخوف منها؟ او من الافكار ؟ على فرض انها افكار ثوريه هل نحن جبناء ؟ ألم نواجه الكثير منها ؟ ألم نكن على حافة الدمار ﻷوقات وأوقات بسبب الحرب والمرض والمجاعات ؟ مالذي يهددنا في المبالغة باستخدام الالفاظ الفاحشة ؟ هل هناك خطر ؟

 

-علقت سابقا ان الفحش لطيف جدا مقارنه بالعنف المنتشر بكثرة على اغلفة المجلات الامريكية.

--نعم, انا اكره كل هذه الكتابات السادية المنحرفة. دائما ما اقول ان صحتي جيدة لاني مبتهج وطبيعي. لم اعبر عن شيء لا يفعله الناس صباح مساء, من اين اتيت بها ؟ لم اتناولها من قبعتي. انها محيطة بنا دائما, اننا نتنفسها كل يوم ولكن الناس ببساطة يرفضون الاعتراف بهذا. ما الفرق بين الكلمة المطبوعة والكلمة المحكية؟ لم يكن هذه المحرمات عندنا دائما, كانت هناك اوقات في الادب الانجليزي كان كل شيء مسموحا فيه. فقط في اخر مائتي او ثلاثمائة سنة تشكل لدينا هذا الموقف الكاذب.

 

-ولكن حتى عند تشاوسر لن نجد كل هذه الكلمات التي نجدها عن هنري ميلرز

--ولكنك تجد شيئا من البهجة, طبيعة وصحة, وقليل من حرية التعبير

 

- هل تعتقد بصحة التعليق الذي قاله ديوريل في مقابلة له مع "باريس ريفيو" حين قال انه عند استذكار اجزاء من "الكتاب الاسود" وجد انها فاحشة جدا.

-- هل قالها حقا ؟ حسنا دعني اقل ان هذه الاجزاء هي اكثر ما يمتعني. اعتقد انهم رائعون اول ما قرأتهم, وما زلت اعتقد بهذا الى اليوم. ربما كان يخادع فقط

 

- لماذا كتبت كثيرا عن الجنس؟ ما الذي يعنيه لك ؟ هل له معنىً خاص عندك ؟

-- من الصعب الاجابة, كما تعلم لقد كتبت قدرا كثيرا مما سمّاه النقاد بـ "الهراء" بالقدر الذي كتبت به عن الجنس, ولكنهم اختارو ان ينظروا على الجنس. لا استطيع الاجابة عن هذا السؤال عدا عن القول انه لعب دورا مهما في حياتي. لقد خضت حياةً مليئة بالجنس, ولا ادري لماذا علي ان اتركها.

 

- هل لها اي علاقة بهروبك من حياتك التي كنت تعيشها في نيويورك ؟

-- لا, لا اعتقد هذا, ولكني اصبحت اكثر وعيا في فرنسا, بعد العيش في امريكا فإن الجنس يتسلل في الهواء, انه في كل مكان حولك. والان لا شك عندي ان الامريكان يدخلون العلاقات الجنسية ينفس القوة والعمق كالاخرين.كذلك في فرنسا, تلعب النساء دورا اكبر في حياه الرجل تقف هناك بشكل افضل ويأخذ رأيها بعين الاعتبار, يتحدث معها كأنها شخص, ليس زوجة او سيدة او ايا كان. كذلك يفضل الرجل الفرنسي ان يكون في صحبة نساء. في انجلترا وامريكا يستمتع الرجال فيها بينهم اكثر.

 

-مع ذلك كانت حياتك في الفيلا سيرات حياة رجولية جدا

-- للأمانة, دائما كان هناك نساء في حياتي, لدي العديد من الصديقات, هذا صحيح, كونت العديد من الصداقات الرائعة طوال حياتي. هذا شيء اخر في برجي ايضا: لقد كان من المقدر لي ان اكون صداقات. لربما كان هذا العامل الأقوى في حياتي, ولربما علي ان اقول شيئا حيال هذا, عندما بدأت الكتابة, ادركت كم أنا مدين للآخرين. لقد ساعدوني طوال حياتي, ساعدني اصدقائي وساعدني غرباء ايضا. ماهي حاجتي للنقود اذا كان عندي اصدقاء؟ ما الذي يريده اي شخص اذا كان عنده اصدقاء, اصدقاء رائعون, اصدقاء طوال الحياة. أنا اخسرهم فقط بسبب الموت.

 

- لنبتعد عن الجنس ولنتحدث عن الرسم. عندما شعرت بالرغبة في الكتابة عن عشرينيات عمرك, هل قمت بالرسم ايضا عن تلك الفترة ؟

-- قليلا جدا, اعتقد انها كانت عام 1927 او 1928عندما بدأت. ولكن ليس بكثير من الجدية. حقيقة الرغبة في الكتابه كانت كبيرة جدا في حياتي لو لم ابدأ الكتابه في فترة متأخرة من حياتي -كنت في الثالثة والثلاثين- لما فكرت ابدا تلك الفكرة. حاولت ان ابعدها عني لم اعتقد ان لدي القدرة على القيام بها, لم اؤمن بنفسي ككاتب او فنان. لم اجرؤ على التفكير اني سأصبح هذا الشخص الذي تراه. ولكن لم آخذ الرسم بنفس الطريقة. لقد وجدت ان هناك جانبا اخر في حياتي استطيع استغلاله, دائما ما منحني الرسم السرور, لقد كان راحه من بقية الامور.

 

-هل تعتقد انها ما زالت لعبة بالنسبة لك ؟

-- نعم ولا شيء اكثر
 

- ألا تعتقد بوجود صلة بين هذه الفنون ؟

-- بالتأكيد, اذا كنت مبدعا في مجال معين, فأنت مبدع في مجال اخر كذلك, كما تعلم فالموسيقى كانت أكبر طموح في حياتي, عزفت على البيانو وتمنيت لو اصبحت عازف بيانو, ولكني لم املك الموهبة لذلك. ولكن ما زلت مشبعا بالموسيقى. ولربما ان الموسيقى تعني لي اكثر من الكتاب او الرسم. هي دائما في رأسي في كل الاوقات

 

- لقد كنت من المتحمسين لموسيقى الجاز خلال فترة من الزمن

-- نعم لقد كنت, لم اعد متحمسا كما في السابق. اعتقد ان الجاز اصبح فارغة نوعا ما. انها محدودة. تماما كما آسف على الذي يحدث في الافلام, انا اسف لمصير الجاز. لقد اصبحت جامدة, لم تتطور ولم تُثرى. كما أن لدي كأس كوكتيل, انا اريد الخمر والبير والشامبيانيا والبراندي ايضا.

 

- في منتصف الثلاثينات, كتبت عدة مقالات عن فن الفيلم. هل سنحت لك الفرصة لتمارس هذا الفن ؟

-- لا, ولكني ما زلت آمل بلقاء الرجل الذي سيمنحني الفرصة, ما احزن عليه هو ان الوسط الفني لم يتم استغلاله بشكل جيد. انه وسط شعري مع كل انواع الامكانات. فقط فكر في عناصر الحلم والخيال. كيف نحصل عليها بالعادة ؟فكر في كل الأدوات التكنولوجيه التي بحوزتنا, يا الهي اننا حتى لم نبدا باستخدامهم. يمكننا ان نحصل على جمال ومتعه رائعه وغير محدودة. ولكن علام نحصل الان ؟ على حماقة مفرطة. الفيلم عم وسائل الاعلام الاكثر حرية, تستطيع القيام بالعديد من المعجزات خلاله. في الحقيقة انا ارحب في اليوم الذي سيستبدل الفيلم فيه الكتاب والادب, عندما لن يعود هناك حاجة للقراءة. انت تستطيع تذكر الوجوه والشخصيات في الفيلم افضل بكثير مما تذكره من قراءة كتاب. اذا استطاع الفيلم ان يفعل بك هذا فأنت تقدم نفسك لك كليا. حتى عندما تستمع لموسيقى لن يحدث لك هذا. اذهب لحفلة موسيقيه , اجواء سلبية, البعض يصرخ واخرون يغطون في النوم, البرنامج طويل جدا, ولا يجتوي فقرات تحبها وهكذا. اعتقد انك تفهم قصدي, ولكن في السينما تجلس في الظلمة, والصور تجيء وتأتي, وكأنها امطار من النيازك تصطدم بك.
 

- وماذا عن فيلم مأخوذ من روايتك "مدار السرطان"

-- حسنا, هناك بعض الاشاعات. لقد قدمو الي بعض العروض, ولكني لا ارى أحدا يستطيع ان يصنع فيلما عن ذلك الكتاب

 

-هل تفضل اخراجه بنفسك ؟

- لا, لن اقوم بهذا لانني اعتقد انه من المستحيل اخراج فيلم من ذلك الكتاب. لا أرى قصة فيه. كما انه يعتمد على اللغة بشكل كبير. الفيلم هو شيء درامي بحت,

 

-لقد كنت عضوا في اللجنه التحكيمية لمهرجان كان للأفلام في العام الماضي, اليس كذلك ؟

-- نعم, كنت خيارا مشككا فيه. اعتقد ان الفرنسيين قامو بذلك ليظهروا تقديرهم لأعمالي. بالطبع كانو يعلمون اني شغوف في صناعة الافلام, ولكن عندما سألني المراسل اذا ما كنت ما أزال احب الافلام أجبته انه من النادر ما أشاهد فيلما هذه الأيام. لرجل في الخمسين من عمره لقد شاهدت القليل من الافلام الجيدة. ولكن من المؤكد اني ما زلت شغوفا بالافلام.

 

- حسنا, لقد انهيب كتابة مسرحية, كيف تشعر حيال هذا الوسط ؟

-- هو وسط لطالما تمنيت دخوله, ولكني لم املك شجاعة لفعل ذلك, في "الضفيرة" عندما كنت أعيش في فقر مدقع وأكافح من أجل الكتابة, قدمت وصفا, وصف حي جدا, لمحاولتي كتابة مسرحيةعن الحياة التي كنا نحياها. لم انهها ابدا. لقد كنت في حالة ذهنية غريبة: لم يكن عندي من شيء لأفعله ولا مكان ﻷذهب اليه, لا أملك شيئا اكله والجميع كانو بعيدين عني. لذا قلت لنفسي لماذا لا أجلس واكتب مسرحية؟ لم يكن لدي ادنى فكرة عما كنت افعله عندما بدأت, تدفقت الكلمات الي, لم اتكلف بها أبدا. لم ابذل جهدا يُذكر.

 

- عن ماذا كانت ؟

--عن كل شيء, وعن لا شيء. لا اعتقد انه من المهم ذكر موضوعها. لقد كانت شيئا من الهزل او السخرية, مع بعض العناصر السريالية. وكان هناك موسيقى, موسيقى عابرة تأتي من فونوغراف عبر الهواء. لا اعتقد ان لها الكثير من الاهمية. أكثر ما استطيع قوله هو انك لن تستطيع النوم اذا قرأتها.

 

 - هل تعتقد انك سوف تكتب المزيد من المسرحيات ؟

-- اتمنى هذا, المسرحية القادمة ستكون تراجيدية او كوميدية تجعل المرء يبكي.

 

- ماذا تكتب ايضا هذه الايام ؟

-- لا أكتب اي شيء اخر

 

- ألن تقوم بكتابة الجزء الثاني من "الضفيرة"

-- نعم بالطبع, هذا ما علي فعله. ولكني لم ابدا بعد. حاولت القيام بهذا عندة مرات ولكني استسلمت.

 

-تقول ان "عليك القيام بذلك" ؟

-- نعم, من مبدئ ان علي انهاء مشروع بدءته, مشروع وضعته عام 1927. هكذا ستكون نهايته, اعتقد ان من اسباب تأخري في انهاء المشروع اني لا اريد له ان ينتهي. هذا يعني ان علي ان ابدأ البحث عن مجال جديد. وليكن هذا, لاني لا اريد الكتابة مجددا عن حياتي الشخصية. لم اكتب سيرتي الشخصية ليس ﻷني اعتقد اني شخص مهم وانما -وقد يضحكك هذا- لاني اردت ان اقدم للناس ما اعتبره اكثر القصص التراجيدية التي عاناها انسان. وكلما تقدمت اكثر في الرواية ادركت ان معاناتي كانت بسيطة, بالتأكيد شاركتها كلها ولكني لم اعد اعتقد انها كانت مأساوية كثيرا بالنسبة لي, ولهذا سميت الثلاثية ب" الصلب الوردي" لقد ايقنت ان المعاناة كانت جيدة بالنسبة لي. فهي من فتح لي ابواب حياه مبتهجة عندما تقبلت هذه المعاناة. عندما يصلب رجل, عندما يموت لنفسه, فإن قلبه يتفتح مثل الزهرة, حتما انت لا تموت, لا أحد يموت, الموت غير موجود, كل ما حدث هو انك وصلت لمستوً جديد في الرؤيا, عالم جديد من الوعي, عالم جديد مجهول. فقط كما انك لا تعلم من اين اتيت فأنت لا تعلم الى اين انت ذاهب. ولكن هناك شيء ما قبل الموت وبعده. أنا متأكد

 

- اخبرنا عن شعور عندما اصبحت كتبتك هي الاكثر مبيعا بعدما عانيته من مأرق الفنان المبدع طوال هذه السنوات

-- حقا لا أشعر بأي شيء مختلف حيال هذا, هو شيء غير طبيعي بالنسبة لي, ولا اعتقد اني مشترك في هذا, في الحقيقة انا لا أحب هذا, انه لا يقدم لي اي متعة, كل ما اراه هو المزيد من الازعاج في حياتي الشخصيه, المزيد من التسللات واللاشعور. الناس جميعا معنيون بشيء هو في الواقع لا يعنيني بشيء ولا أهتم به. ذاك الكتاب لم يعد يعني اي شيء بالنسبة لي. يعتقدون انه شيء رائع بالنسبه لي ان قد تم قبولي في النهاية. حسنا اشعر انه قد تم قبولي منذ زمن بعيد, على الاقل من الاشخاص الذين اهتم ان يقبلوني. ان يتم قبولي من الغوغاء لا يعني شيئا بالنسبة لي, في الحقيقة هو مؤلم جدا, لانهم قبلوني لسبب خاطىء, هذا يعني ان لم يتم تقديري على القيمة الحقيقية لعملي.

الناس جميعا معنيون بشيء هو في الواقع لا يعنيني بشيء ولا أهتم به. ذاك الكتاب لم يعد يعني اي شيء بالنسبة لي. يعتقدون انه شيء رائع بالنسبه لي ان قد تم قبولي في النهاية. حسنا اشعر انه قد تم قبولي منذ زمن بعيد, على الاقل من الاشخاص الذين اهتم ان يقبلوني. ان يتم قبولي من الغوغاء لا يعني شيئا بالنسبة لي, في الحقيقة هو مؤلم جدا, لانهم قبلوني لسبب خاطىء, هذا يعني ان لم يتم تقديري على القيمة الحقيقية لعملي

 

- ولكن هذا جزء من الاعتراف الذي لطالما عرفت انه سيحدث لك.

-- نعم, ولكن ألا ترا ان الاعتراف الحقيقي هو الذي يأتي من اشخاص في نفس مستواك, من نظرائك . هذا هو الاعتراف الذي يهمني وقد حصل. لقد حصل منذ سنين طويلة.
 

- ما هو كتابك الذي تعتبره الافضل ؟

-- دائما ما قلت انه "تمثال ماروسي الضخم”.

 

- معظم النقاد قالو ان مدار السرطان هي الافضل.

-- نعم, عندما اعدت قراءة مدار السرطان مجددا وجدت انها كانت افضل بكثير مما ظننتها. لقد احببتها. لم انظر اليها لسنين طويلة, ولكن كما تعلم, اعتقد انها كتاب جيد جدا. ولكن تمثال ماروسي مكتوبة من مستوً اخر من روحي. اكثر ما احبه فيها انها روايه مبتهجة, انها تعبر عن البهجة وتعطيها.
 

 - ماذا حصل لكتابك "داركو والبروج" الذي اعلنت عن كتابته منذ سنوات مضت ؟

-- لا شيء, لقد نسيته, فكرت طويلا انني من الممكن ان اكتبه احد الايام. كنت افكر بكتاب صغير, يشرح مالذي كنت احاول القيام به اثناء كتابتي هذه الكتب عن حياتي. بكلمات اخرى ان انسى ما الذي كتبته وان احاول لمرة واحد ان اشرح ما الذي تمنيت كتابته. يعني ان اشرح اهميه الكتابه من وجهه نظر كاتب. كما ترا وجهة نظر الكاتب هي جزء من الكثير من الافكار عن اهمية عمله التي قد ضاعت في فوضى الاصوات الاخرى. هل يعلم الكاتب عن اعماله كما يتصور ؟ لا اعتقد, اعتقد انه يفضل مكانا عندما يدخله ينبهر فيه الجميع بما قدمه وكتبه

 


النص الأصلي