جورج اورويل - لماذا اكتب

جورج اورويل - لماذا اكتب

يعتبر جورج اورويل – اريك ارثر بلير -من أشهر الكُتاب في الوقت الحالي نظرا للشهرة الكبيرة التي تحظى بها روايتاه "1984” و "مزرعة الحيوان" خصوصا بعدما رأينا احداثها تحصل في عدد من الدول. لم يعمل اورويل كاتبا طوال حياته, بل عمل اعمالا كثيرة في دول متعددة اكتسب بها من الخبرات ما صقل شخصيته وأعانه على كتابة ما كتبه من كتب – لديه العديد من الاعمال والمقالات- نُشر هذا المقال "لماذا اكتب" في العدد الرابع في مجله جانجيرال صيف عام 1946, بتحدث فيها عن علاقته بالادب وبداياته الادبية ويتطرق الى الاحداث التي اثرت في شخصيته لتصبح كما هي عليه.

 

النص منقول من كتاب لماذا اكتب, وهذا رابط للمقال الاصلي

 

 

منذ سن مبكرة جدا, ربما عند الخامسة او السادسة, علمت انني عندما أكبر, سيتعين علي ان اصبح كاتبا. بين حوالي السابعة عشر والرابعة والعشرين حاولت التخلي عن هذه الفكرة, لكنني قمت بذلك وانا واعٍ بأنني اغضب طبيعتي الحقيقية وأنني عاجلا ام اجلا سوف استقر واكتب كتابا.

كنت الابن الاوسط بين ثلاثة أطفال, لكن هناك فجوة بخمس سنوات على كل جانب, ورأيت والدي بالكاد قبل ان اصبح بالثامنة من عمري. لهذا ولأسباب اخرى كنت وحيدا نوعا ما, وكونت بعد ذلك بقليل سلوكا سيء الطباع جعلني لا احظى بشعبية طوال سنوات الدراسة, كان لدي عادات الطفل الوحيد في اختراع القصص, واجراء محادثات مع اشخاص متخيلين, واعتتقد انه منذ بادئ الامر كانت طموحاتي الادبية ممزوجة بشعور من العزلة وعدم التقدير, كنت اعرف ان لدي براعة مع الكلمات, وقدرة على مواجهة الحقائق غير السارة, واعتقد ان هذا قد خلق لي نوعا من العالم الخاص حيث كان بإمكاني داخله حماية نفسي من اخفاقاتي في الحياة اليومية, ومع ذلك فإن حجم الكتابة الجاد, بالاحرى التي قُصد لها ان تكون جادة, والتي انتجتها في طفولتي وصباي لم يبلغ اكثر من نصف دزينة من الصفحات, كتبت قصيدتي الاولى في سن الرابعة او الخامسة, وقامت والدتي بمراجعتها لفحص الاملاء, لا يمكنني تذكر اي شيءعنها عدا عن انها كانت عن نمر وانه كان لديه سن "سن مثل الكرسي" تعبير غير رديء, لكن اظن ان القصيدة كانت انتحالا ل"نمر, نمر " لـ( بليك).

في سن الحادية عشرة عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى كتبت قصيدة وطنية كانت قد طُبعت في الصحيفة المحلية, كما نشرت واحدة اخرى بعدها بعامين عند وفاة كيشنر. من وقت لاخر عندما كنت اكبر قليلا – كتبت قصائد طبيعية رديئة وغير منجزة عادةً, بالاسلوب الجورجي. كما حاولت مرتين كتابة قصة قصيرة وكانت محاولة فاشلة فشلا ذريعا. كان هذا مجمل ما يمكن ان يصبح عملا جادةً مما قمت بوضعه فعلا على الورق طوال تلك السنوات.

لكن طوال هذا الوقت كنت ضالعا بمعنى ما في نشاطات أدبية, في البدء كانت هناك الاشياء التي تصنع حسب الطلب التي انتجتها بسرعة وسهولة ودون الكثير من المتعة الذاتية.

عدا واجبات المدرسة, كتبت قصائد شبه هزيلة وليدة اللحظة التي كان بامكاني انجازها فيما يبدو لي الان كسرعة خارقة, عندما كنت في سن الرابعة عشر من عمري كتبت مسرحي مقفّاة كاملة في محاكاة لارسطو في حوالي الاسبوع, وساعدت في تحرير مجلة مدرسية مطبوعة ومدونة في آن, تلك المجلات كانت شيئا بائسا ومضحكا الى اقصى حد يمكن تخيله, وتطلب انجازها مني مجهودا ضئيلا مقارنة بما ابذله الان مع ارخص شكل من اشكال الصحافة, ولكن الى جانب كل هذا خلال خمسة عشر عاما او اكثر كنت اقوم بتمرين ادبي من نوع مختلف تماما: كان هذا اختلاق قصة مستترة في نفسي, نوع من المذكرة التي توجد في ذهني فقط. اعتقد ان هذه عادة شائعة لدى الاطفال واليافعين, وكوني طفلا صغيرا جدا اعتدت ان اتخيل اني لنقل روبن هود – واتصور نفسي كبطل لمغامرات مشوقة, لكن قريبا جدا كفت قصتي عن ان تكون نرجسبة بشكل فظ وتحولت شيئا فشيئا لمجرد وصف لما كنت افعل والاشياء التي رأيتها. لفترات تستمر دقائق كل مرة, كان هذا النوع من الاشياء يمر مسرعا في رأسي: “دفع الباب وفتحه ودخل اغرفة شعاع اصفر من ضوء الشمس, تسرب عبر ستائر الموسلين مائلا على الطاولة حيث علبة اعواد الكبريت نصفها مفتوح متروكة بجانب المحبرة. تحرك عابرا نحو النافذة ويده اليمنى في جيبه, اسفل الشارع هناك قطة تلاجق ورقة شجر ميته,,,, الخ. هذه العادة استمرت حتى بلغت الخامسة والعشرين عبر سنوات غير ادبية, على الرغم من انه كان علي البحث وقد بحث عن الكلمات المناسبة, بدوت كأنني اقوم بهذا المجهود الوصفي ضد ارادتي تقريبا, نتيجة قسر خارجي, اعتقد ان القصه قد عكست اساليب الكتاب المختلفين الذين انبهرت بهم في اعمار مختلفة, لكن حسب ما اذكر انها تحلت دائما بالميزة الوصفية الدقيقة نفسها.

عندما كنت في السادسة عشرة اكتشفت فجأة بهجة الكلمات المجردة الاصوات وتداعي المعاني. هذه السطور من الفردوس المفقود

So hee with difficulty and labour hard

Moved on: with difficulty and labour hee

التي لا تبدو لي الان رائعة, كانت ترسل رجفات في عمودي الفقري, وإملاء hee بدلا من he كانت بهجة اضافية, أما عن الحاجة لوصف الاشياء, كنت اعرف كل شيء عنها مسبقا: اذ كان من الواضح نوع الكتب التي اريد كتابتها, كنت اريد كتابة كتب طبيعية ضخمة في النهايات غير سعيدة, مليئة بأوصاف مفصلة وابتسامات مكبوجة, وايضا مقاطع قرمزية حيث تستخدم كلمات جزئيا من اجل اصواتها, وفي واقع الامر ان الروايه المنجزة الاولى -ايام بورمية- التي كتبتها عندما كنت في الثلاثين, هي بالاحرى من هذا النوع من الكتب.

أعطي كل المعلومات عن خلفيتي لاني لا اعتقد ان بإمكان المرء تقدير دوافع الكاتب دون معرفة شيء عن تطوره المبكر, موضوعه المتناول سوف يحدد من قبل العصر الذي يحيا فيه -على الاقل هذا صحيح في عصور مضطربة وثورية مثل عصرنا- لكن قبل ان يبدأ حتى في الكتابة سيكون قد اكتسب موقفا عاطفيا لن يستطيع الهروب منه نهائيا. مما لا ريب فيه انه من مسؤوليته ان يضبط طبعه وان يتجنب التسمر في مرحلة غير ناضجة, في مزاج احمق, لكن لو هرب من كل تأثيراته المبكرة سيكون قد جنى على حافزه للكتابة.

عند وضع الحاجة لكسب العيش جانبا اعتقد ان هناك اربعة دوافع للكتابة – على الاقل لكتابة النثر- توجد بدرجة مختلفه لدى كل كاتب, وعند كل كاتب ستكون النسب متفاوتة من وقت لاخر حسب الجو العام الذي يعيش فيه والدوافع هي:

1- حب الذات الصرف: الرغبة في ان تبدو ذكيا, ان يتم الحديث معك, ان تذكر بعد الموت, ان تنتقم من الكبار الذين وبخوك في طفولتك ,, الخ, من الهراء التظاهر بأن هذا ليس بدافع, بل دافع قوي. الكتاب يتحلون بهذه الصفة الى جانب العلماء والفنانين والسياسيين والمحامين والجنود ورجال الاعمل الناجحين – باختصار لدى كل التخب الانسانية. الغالبية العظمى من البشر هم أنانيون تماما. بعد سن الثلاثين يتخلون تقريبا عن وعيهم بفرديتهم بالكامل, ويعيشون بشكل رئيس من أجل الاخرين, او يُسحقون ببساطة تحت وطأة العمل الكادح, ولكن هناك اقلية من الاشخاص الموهوبين والجامحين المصممين على عيش حياتهم حتى النهاية, أو الكتاب الذين ينتمون لتلك الطبقة, ينبغي القول ان الكتاب الجادين هم في المجمل اكثر اختيالا وأنانية من الصحفيين, لكن اقل اهتماما بالمال.

2- الحماس الجمالي: ادراك الجمال في العالم الخارجي او من ناحية اخرى في الكلمات وترتيبها الصحيح. البهجة من أثر صوت واحد على الاخر. في تماسك النثر الجيد او ايقاع قصة جيد. الرغبة في مشاركة تجربة يشعر فها المرء انها قيمة وينبغي عدم تفويتها. الدافع الجمالي واهن جدا عند الكثير من الكتاب, لكن حتى مؤلف الكتيبات والكتب المدرسية سيكون لديه كلمات ومصطلحات مدللة تروق له دون اسباب نفعية, او قد يهتم بقوة في اسلوب الطباعة, اتساع الهوامش ,,, . فوق مستوى دليل القطارات, لا يوجد كتاب يخلو من الاعتيارات الجمالية.

3- الحافز التاريخي: الرغبة برؤية الاشياء كما هي, لاكتشاف حقائق صحيحة, وحفظها من أجل استخدام الاجيال المقبلة.

4- الهدف السياسي: باستخدام كلمة "سياسي" بأشمل معنى ممكن, الرغبة في دفع العالم باتجاه معين; لتغيير افكار الاخرين حول نوع المجتمع الذي ينبغي السعي نحوه. مرة أخرى, لا يوجد كتاب يخلو من التخير السياسي, الرأي القائل ان الفن لا ينبغي ان يُربط بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي.

من الممكن رؤية كيف ان هذه الدوافع المختلفة عليها محاربة احدها الاخر, وكيف يجب عليها التأرجح من شخص لاخر من وقت لاخر. بطبيعتي أنا شخص ترجح فيه كفة الدوافع الثلاث الاولى على كفة الرابع. في عصر مسالم ربما كنت سأؤلف كتبا منمقة او مجرد كتب وصفية, ربما قد بقيت غير واعِ بولاءاتي السياسية.

حتى هذا الحد قد أُجبرت ان اصبح مؤلف كتيبات نوعا ما. أولا امضيت خمس سنوات في مهنة غير مناسبة -الشرطة الامبريالية الهندية في بورما- وبعدها مررت بالفقر وشعور الفشل. هذا عاظم من كراهيتي الفطرية للسلطوية وجعلني واعيا للمرة الاولى بوجود طبقات عاملة, بينما اعطتني وظيفتي في بورما شيئا من الفهم لطبيعة الامبريالية, لكن هذه التجارب لم تكن كافية لمنحي توجها سياسيا دقيقا, بعدها جاءت حرب هتلر والحرب الاهلية الاسبانية… بنهاية عام 1935 كنت مازلت عاجرا عن الوصول الى قرار راسخ. أذكر قصيدة كنت كتبتها في ذاك التاريخ تعبيرا عن محنتي:

 

كنت قد أكون راهبا سعيدا

قبل مائتي عام

أبشر عن العذاب الابدي

وأشاهد جوزي ينمو

لكني ولدت -وأسفاه- في زمن شرير

فاتني ذلك الملاذ الهانئ

اذ ان الشعر نبت على شفتي العليا

وكل الكهنوت حليقو الذقن.

 

ولاحقا كانت الازمنة ما تزال طيبة

كنا نرضى بسهولة

وهززنا افكارنا المضطربة للنوم

في صدور الاشجار

 

كل الجهل الذي جرأنا على امتلاكه

كل المسرات التي نخفيها الان,

والعصفور الاخضر على غصن التفاح

بإمكانهم جعل اعدائي يرتعدون.

 

لكن بطون الفتاة والمشمش

والصرصار في الساقية الظليلة

الخيول والبط تطير عند الفجر

كل هذه هي حلم.

 

من المحظور ان تحلم مجددا,

نشوه مسراتنا او نخفيها:

الخيول مصنوعة من الكروم الصلب

ورجال سمينون ضئيلون سوف يركبونها

 

أنا الدودة التي لم تتحول,

أنا المخصي بلا حريم

بين الكاهن والمفوض

أمشي مثل اوجين أرام,

 

والمفوض يخربني ببختي

بينما يلعب المذياع

لكن الكاهن وعد بأوستن سبعا

إذ ان داجي يدفع دائما.

 

حلمت اني سكنت في قاعات رخامية

واستيقظت ﻷجد ذلك صحيحا,

لم اولد لعصر كهذا

هل كان سميث؟ هل كان جونز؟ هل كنتُ انت ؟

 

الحرب الاسبانية وأحداث اخرى عُرفت في عامي 1936 – 1937 أدارت كفة الميزان وعرفت اين اقف. كل سطر من العمل الجاد الذي كتبته منذ 1936 قد كُتب بشكل مباشر او غير مباشر ضد الشمولية ومن أجل الديمقراطية الاشتراكية كما أفهمها. بدا لي عبثا -في زمن مثل زمننا- الاعتقاد ان بإمكان المرء تفادي الكتابة حول مواضيع كهذه, الجميع يكتب عنها تحت قناع او اخر. السؤال ببساطة اي صف يتخذه المرء وأي مقاربة يتبعها. وكلما كان المرء واعيا بتخيزه السياسي, حظي بفرصة اكبر للتصرف سياسيا دون التضحية بنزاهته الجمالية والفكرية.

أكثر ما رغبت به طوال السنوات العشر الماضية هو أن اجعل من الكتابه السياسية فنا. نقطة انطلاقي هي دائما شعور حزبي, وعي بالظلم. عندما اجلس لكتابة كتاب, لا أقول لنفسي سوف انتج عملا فنيا. أكتبه لان هناك كذبة اريد ان فضحها, حقيقة اريد القاء الضوء عليها, وهمي الاولي هو الحصول على مستمعين, لكنني ليس بامكاني القيام بمهمة كتب كتاب, أو حتى مقالة طويلة لمجلة, لو لم تكن ايضا تجربة جمالية. أي شخص سيتحمل عناء فحص عملي سيرى انه حتى عندما يكون دعاية سياسية فجةسيتضمن ايضا الكثير مما يعتبره سياسي محترف ليس ذي صلة. لست قادرا -ولا ارغب- ان اتخلى عن منطور العالم الذي اكتسبته في طفولتي. طالما بقيت حيا وبصحة جيدة سأستمر بشغفي تجاه اسلوب النثر, وبحب سطح الارض, وبأن اجد البهجة في أغراض صلبة وبقصاصات معلومات غير نافعة. ليس من المثمر كبح هذا الجانب من ذاتي, العمل هو التوفيق بين ما يعجبني ولا يعجبني بتأصل مع النشاطات العامة أساسيا وغير فردية التي يفرضها هذا العصر علينا جميعا.

وليس ذلك بالامر السهل. فهو يطرح اشكالات البناء واللغة, ويطرح بطريقة جديدة اشكالية الصدق. دعني اعطيك مثالا واحدا فقط على الصعوبة المباشرة التي يتوجب مواجهتها, كتابي عن الحرب الاهلية الاسبانية "تحية الى كاتالونيا" هو بالطبع كتاب سياسي صريح, لكنه بجوهره مكتوب بشيء من الموضوعيه والانتباه للشكل. حاولت بمشقة شديدة فيه ان اقول الحقيقة دون خرق غرائزي الأدبية, لكن بين اشياء اخرى هو يتضمن فصلا طويلا مليء باقتباسات الصحف وما الى ذلك, تدافع عن التروتسكيين الذين كانو متهمين بالتآمر مع فرانكو. من الواضح ان فصلا مماثلا – الذي سيفقد اهميته بعد سنة او سنتين للقارئ العادي- سيفسد الكتاب من دون ريب. ناقد احترمه قرأ لي محاضرة عن ذلك. قال لي "لماذا وضعت كل هذه الاشياء؟ " , “ لقد حولت ما يمكن ان يكون كتابا جيدا الي صحافة.” ما قاله كان صحيحا. لكن لم يسعني فعل شيء اخر . يحدث اني اعرف – ما سمح لعدد قليل في انجلترا ان يعرفوه- بأن رجالا ابرياء كانو يُتهمون زورا, لو لم اغضب على ذلك لما كان ينبغي كتابة ذلك الكتاب ابدا.

بشكل او بآخر, تعاود هذه المشكلة الظهور, مشكلة اللغة هي أكثر حساسية وستتطلب الكثير من المساحة لمناقشتها , سأقول فقط انني في السنوات الاخيرة حاولت ان اكتب بصُورية اقل وبتحديد اكثر. على اي حال اجد انه في الحين الذي تصل فيه الى البراعة في أسلوب ما من الكتابة فإنك دائما ما تجاوزته ايضا. “مزرعة الحيوان" كان الكتاب الاول اذ حاولت بوعي كامل بما كنت افعل ان امزج الهدف السياسي بالهدف الفني. لم اكتب روابة لسبعة اعوام, لكني امل بأن اكتب واحدة اخرى في وقت قريب. من المحقق انها ستكون فاشلة, كل كتاب هو فشل, لكني اعلم بشيء من الوضوح أي نوع من الكتب اريد كتابته.

وأنا اتصفح عبر الصفحتين الاخيرتين, أرى انني صورت الامر كما لو كانت دوافعي للكتابة متسمة بالروح العامة كليا, لا اريد ترك هذا كانطباع اخير. كل الكتاب معتزون بأنفسهم وأنانيون وكسالى, وفي قاع دوافعهم يمكن غموض ما. تأليف كتاب هو صراع رهب ومرهق, كما لو كانت نوبة طويلة من مرض مؤلم. لن يحاول المرء القيام بشيء كهذا لو لم يمكن مدفوعا بشيطان ما, هو ليس قادرا لا على مقاومته ولا على فهمه, اذ ان الغريزة هي ذاتها التي تجعل رضيعا يصرخ من أجل ان يحظى بالانتباه, ومع ذلك فمن الصحيح ايضا انه ليس بوسع المرء كتابة شيء مقروء الا اذا كافح باستمرار لكبح شخصيته ذاتها. الثنر الجيد مثل شباك النافذة. لا يمكنني القول بيقين ان احد دوافعي هو الاقوى, لكني اعلم ايها يستحق ان يُتّبع, وعند استرجاعي لعملي السابق, يمكنني ان ارى دون تباين انه حيثما افتقرت للقصد السياسي كتبت كتابا بلا روح, وخُدعت الى مقاطع قرمزية وجمل بلا معنى, وصفات تزينية وهراء بشكل عام.